
تشرفتُ بدعوةٍ من الرئيسة التنفيذية لمنظمة التنوع الإسلامي الأمريكي في دالاس لتقديم محاضرة عن فريضة الحج لطلاب مادة الأديان العالمية في جامعة دالاس، وذلك في ختام الفصل الدراسي ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك.
كانت كلمتي كالتالي:
بسم الله، والصلاة والسلام على جميع رسل الله (الخالق) من آدم إلى محمد، بما في ذلك إبراهيم وموسى وعيسى المسيح وأمه مريم، وسائر الرسل المرسلين إلى جميع الأمم. لا نفرّق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
وعند الإشارة إلى الخالق ب(الله)، أعني نفس الإله الواحد الأحد المعروف بأسماء مختلفة عبر الأديان مثل واهاكورو في السيخية، والقوة العليا في البوذية، وبغوان في الهندوسية، والله الآب في المسيحية، ويهوه في اليهودية، قوة عليا متعالية، منفصلة ومتميزة عن الكون وكل المخلوقات.
الخالق واقع يتجاوز الكون، غير مقيد بأي شكل بشري أو حيواني، ولا يحمل أي صفة من صفات مخلوقاته، ومتميز عن الخلق المادي. ولا يمكن اعتبار أي كائن يمشي على الأرض أو يسبح في الماء أو يطير في السماء إلهاً.
يُعدّ نبي الله إبراهيم، الملقّب بـ«خليل الله»، من أبرز الشخصيات المشتركة في اليهودية والمسيحية والإسلام، ويأتي عيد الأضحى تخليدًا لقصته العظيمة وما تحمله من معاني الإيمان والتسليم لله.
ويُستحضَر إبراهيم عليه السلام بوصفه داعيًا إلى توحيد الله ونبذ عبادة المخلوقات، والتوجّه بالعبادة والدعاء إلى الخالق وحده، وهي الرسالة الجوهرية التي يجسّدها هذا العيد.
في هذا التصور، تنقسم البشرية إلى فئتين: فئة تتوجّه بالدعاء والعبادة إلى الخالق مباشرة، وأخرى تتوجه بالدعاء إلى غير الخالق، مما يجعل اختيار الإنسان لمساره الروحي والأخلاقي عاملًا حاسمًا في نجاحه في الحياة ومآله بعد الموت، وهو ما يضع عليه مسؤولية حسن الاختيار.
وعلى خلاف الملائكة الذين خُلقوا بعقلٍ بلا شهوة، والحيوانات التي تتحرك بشهوةٍ بلا عقل، يقف الإنسان في منزلةٍ وسط بينهما. فإذا تغلّب عقله على شهوته ارتقى وسمت منزلته، وإذا غلبت شهوته عقله انحدر إلى ما دون مرتبة الحيوان.
قالت صديقة لي، وهي كاثوليكية مكسيكية متزوجة من رجل سعودي مسلم منذ خمسة وعشرين عامًا مع بقائها على ديانتها المسيحية، إن زوجها اصطحبها مؤخرًا في رحلة خاصة إلى مكة. وأوضحت أنه، رغم القيود المفروضة على دخول غير المسلمين إلى بعض الأماكن هناك، باعتبارها أماكن مخصّصة للعبادة المباشرة لله، فقد تكفّل زوجها بترتيب هذه الزيارة لها.
وذلك لأن هذا المكان مخصص للعبادة والتوجّه إلى الخالق مباشرة، دون أي مظاهر للتوسّل بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أو الاستغاثة بغيره، وهو ما ينسجم مع الممارسة التعبدية هناك كما في الحياة الدينية للمسلمين عمومًا.
وأضافت أنها تأثرت بعمق بالأجواء الروحانية في مكة، إذ شعرت بأنها لم تعد قادرة على اتباع طريقتها المعتادة في الدعاء والتوسل إلى السيدة مريم العذراء، ووجدت نفسها تميل تدريجيًا إلى التوجّه بالدعاء إلى الخالق مباشرة، متأثرة بالجو الإيماني العميق الذي عاشته هناك.
وقالت إن الرحلة بدت لها وكأنها “اجتماع عالمي” يجسّد وحدة البشر وخضوعهم أمام الخالق. وأضافت أن الناس كانوا يرتدون لباسًا موحّدًا يزيل الفوارق المادية بينهم ويذكّر بمشهد الحساب في الآخرة، في أجواء يسودها شعور روحي عميق تعززه حركة الحجاج الجمع الغفير هناك في آنٍ واحد. .
يُعتقد في التعاليم الإسلامية أن أول من وضع أساس الكعبة هو نبي الله آدم عليه السلام بمساعدة الملائكة، وأن أبرز من أعاد بناءها هما نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. ومن أبرز معالمها هو الحجر الأسود الموجود في أحد أركانها، والذي ترد في بعض الروايات أنه كان أبيض اللون ثم اسودّ بسبب ذنوب البشر. ويؤمن المسلمون بأن هذا الحجر ذو دلالة رمزية ودينية، ارتبطت بسياق تاريخي وروحي، دون أن يُنسب إليه أي قوى خاصة أو قدرة على الشفاء.
تُفهم الكعبة في الإسلام على أنها مركز روحي محدّد إلهيًا واتجاه موحّد للصلاة يجمع المؤمنين. وتشير بعض التعاليم الإسلامية كذلك إلى وجود نظيرٍ لها في السماء يُعرف بـ“البيت المعمور”، وهو موضع عبادة للملائكة في السماء السابعة، يطوفون حوله كما يطوف المسلمون بالكعبة في الأرض. ويُرمز الطواف بالكعبة إلى جعل الخالق محور الحياة وغايتها لدى المؤمن.
تُقام الصلاة داخل الكعبة في أي اتجاه، بما يعزّز المعنى بأن العبادة ليست موجّهة إلى البناء ذاته، بل إلى الخالق سبحانه. كما يُنظر إلى كل خطوة نحوها على أنها انتقال من التشتت إلى الذكر، ومن الانشغال إلى الإخلاص، في تجسيدٍ لتوجيه القلب نحو الصدق والتواضع والتوكل على الله.
عندما يتواصل المسلم مع خالق الكون ليتوب من ذنب أو لشكر نعمة أو لطلب حاجة، ومن خلال اعترافه أن ما أصابه من سوء كان من نفسه وما حصل عليه من خير كان من الخالق، يكون قد حقق هدف وجوده، وملئت نفسه السكينة وأصبحت حياته تتنقل من سعادة إلى سعادة، وتكون لحظة لقائه مع خالقه بعد الموت أسعد لحظات حياته.
إن طبيعة كروية الأرض ودورانها حول نفسها وبعكس عقارب الساعة بتوافق مع حركة دوران الكون والتي بدورها تنشأ تعاقب الليل والنهار، وانضمام المسلمون بطوافهم حول الكعبة وبصلواتهم الخمس عبر اليوم من مختلف بقاع الأرض وباتجاه مكة يشكلون جزء من منظومة الكون في التواصل الدائم والمستمر في تمجيد وتسبيح رب العالمين.
مواقيت الصلاة التي تعتمد على شروق الشمس وغروبها. تجعل الصلاة لخالق الكون لا تتوقف على وجه الأرض.
فما إن ينتهي مسلم من خمس دقائق صلاة في مدينة دالاس مثلاً، فلسوف يبدأ مسلم آخر بالصلاة في مدينة هيوستن وهكذا.
ويؤدي الحجاج مناسكهم ضمن حالة من التركيز الروحي المشترك. ومن منظورٍ تخيلي من الفضاء، يمكن أن تبدو مكة وكأنها نقطة محورية تتجمّع حولها حركة بشرية في دوائر متداخلة.

الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، ويُؤدّى في الشهر الثاني عشر من التقويم الهجري. وقد فرضه الله على كل مسلم بالغ قادرٍ ماديًا وصحيًا مرة واحدة في العمر.
ويرد في بعض الروايات أن عددًا كبيرًا من الأنبياء، منذ عهد آدم عليه السلام، قد أدّوا الحج إلى البيت الحرام في مكة، باستثناء اثنين منهم. كما يُعتقد في التصور الإسلامي أن النبي عيسى ابن مريم عليه السلام سيؤدي فريضة الحج عند عودته في آخر الزمان.
تبدأ مناسك الحج بالدخول في حالة الإحرام بنية واعية ولباسٍ مخصص، حيث تُحدَّد مواقيت الحج كنقاط واضحة لانطلاق الرحلة، في إطار استعدادٍ روحي وجسدي لتعظيم حرمة مكة وأداء العبادة.
وفي هذه الحالة، يتساوى الجميع في الإحرام، بغضّ النظر عن الأصل أو المكانة الاجتماعية.
يلبّي الحجاج بنداءٍ واحد: “لبيك اللهم لبيك”، مما يخلق تجربة جماعية قوية ذات أثر روحي عميق لا تضاهيه العبادة الفردية.
ويجتمع الملايين كتفًا إلى كتف في مشهدٍ من التنظيم والانضباط، حيث يتم الانتظام في صفوف متقاربة خلال وقت قصير. ويُنظر إلى هذا المشهد باعتباره تدريبًا روحيًا بدقة التدريبات العسكرية، يُسهم في تهذيب النفس وتعزيز الانضباط وترسيخ الشعور بالمساواة ووحدة الهدف بين المشاركين.
يطوف الملايين معًا حول الكعبة سبع مرات عكس اتجاه عقارب الساعة، في تعبيرٍ رمزي عن الطاعة والخضوع للخالق. وتبدأ كل دورة وتنتهي عند الحجر الأسود، الذي يُعدّ علامةً رمزية دون أن يُنسب إليه أي تأثير ذاتي أو قوة مستقلة.
ويرتبط الرقم سبعة في الثقافة الإسلامية بنظمٍ متكررة في الكون والطبيعة، مثل السماوات والألوان وأيام الأسبوع، وكذلك بحركة بعض الظواهر الكونية كحركة الأجرام في الفضاء. ويُفهم هذا الترابط بوصفه إشارة رمزية إلى نظامٍ كوني دقيق، وإلى معاني التوازن والانسجام والتوجّه نحو الخالق.
السعى بين الصفا والمروة:
يسعى المسلمون بين جبلي الصفا والمروة سبع مرات، إحياءً لقصة هاجر زوجة النبي إبراهيم عليه السلام، التي تنقّلت بين الجبلين بحثًا عن الماء لابنها إسماعيل، في دلالة على الصبر والأمل وانتقال من الشدة إلى الفرج الإلهي المتمثل في تدفق ماء زمزم.
وتروى القصة أيضًا بأن جبريل عليه السلام ظهر وضرب الأرض بجناحه، فانبثق ماء زمزم من أرضٍ قاحلة، ليُعدّ ذلك علامة على الرزق الإلهي في بيئة جافة، وتذكيرًا بتوازن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب في الحياة.
شرب ماء زمزم:
يرمز إلى النية والتأمل والتجديد، استناداً إلى الحديث النبوي: “ماء زمزم لما شُرب له”.
الوقوف بعرفة:
يقف الحجاج في عرفات بين الظهر والمغرب للدعاء والتوبة والتأمل. قال النبي محمد ﷺ: “الحج عرفة”، أي أنه لا يصح بدونه. وهي لحظة صفاء روحي يعود فيها الإنسان إلى إدراكه الأصلي للخالق ومعنى الحياة.
الرمي الرمزي للجمرات:
يُذكر بمقاومة وساوس الشيطان الخارجية والصراعات الداخلية، من خلال تذكر قصة رجم ابراهيم عليه السلام الشيطان الذي حاول ثنيه عن الامتثال لأمر الخالق بذبح ابنه في تلك المواقع، ويعبر عن الابتعاد عن المعصية وتجديد الالتزام بالطاعة.
الأضحية:
تُفهم كامتداد لقصة إبراهيم، واستبدال الممارسات المؤذية القديمة مثل التضحية بالأطفال بأعمال رحيمة تُعزز الصدقة ومساعدة الفقراء.
الحج يوحّد الحركة الجسدية والمعنى الروحي. وكما أن زيارة نصب الجندي المجهول أو المعالم الوطنية ليست لمعاني مادية، بل لما تمثله من تضحيات وقيم وتاريخ، يمكن تشبيه تقبيل الحجر الأسود بتقديربعض الرموز مثل علم الدولة على سبيل المثال أو رسالة من شخص مقرب ومحبب إلى القلب، والتي تشير إلى معانٍ أعمق، دون إضفاء أي قوة على الحجر نفسه. وهذا يُفهم مع إدراك احتمال الخطأ البشري والمبالغة أحياناً في التعبير عن التقدير.
يُنظر إلى الحج بوصفه عودةً إلى الأصل الروحي، لا مجرد رحلة أو انتقال مكاني. فمن خلال مظاهر البساطة والمشقة وأداء الشعائر الرمزية، يتخلى الحاج عن مظاهر هويته الدنيوية، ويجدّد ارتباطه وإخلاصه الروحي.
وكما يغذّي العلمُ العقل، فإن الطقوس الدينية تُلبّي حاجة الروح إلى التعبير الرمزي والتجربة المعنوية العميقة.
حلق الرأس:
يرمز إلى التطهير الروحي من الذنوب وبداية جديدة، وإزالة التعلق بالمظاهر وتعزيز المساواة بين الحجاج. ويتم بعد إتمام المناسك، ويشير إلى انتهاء مرحلة من مراحل الإحرام التي كان فيها قص الشعر ممنوعاً.
في الإسلام، الفرق الجوهري بين التوحيد و الشرك هو في النية: العبادة موجهة للخالق وحده، بينما الرموز تُفهم كعلامات توجيهية أو تذكارية.
مالكوم إكس:
وصف مالكوم إكس، الناشط القومي الأمريكي من أصل إفريقي، الحج بأنه تجربة تحول روحي عميق وشعور بوحدة إنسانية شاملة. وقال إنه شعر لأول مرة بأنه “إنسان كامل”، بعد أن تخلّى عن نظرة ضيقة للعرق، ورأى في الإسلام حلاً لمشكلة العنصرية.
وتأثر بشدة بوحدة المسلمين من كل الألوان والأعراق، من “الشقر ذوي العيون الزرقاء” إلى “الأفارقة السود”، وهم يؤدون عبادة صادقة ومشتركة في مكة.
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(الإسراء: 44)
1297total visits,4visits today