من أجمل ما قاله علي عزت بيجوفيتش :

في الأدب، حجم البطل لا يتحدد بأهميته الاجتماعية، وإنما بحجم القضية الأخلاقية التي يمثلها، ولذلك فإن الملك في الرواية أو المسرحية يمكن أن يكون شخصية غير مهمة، بينما الخادم هو البطل.

لماذا لا تسير الأمور هكذا في الحياة؟

السبب هو أن الأدب يعرفنا على روح البطل، بينما في الحياة نتعرف على الناس من الخارج. قد يوجد بجوارنا أحد الأشخاص لسنوات (في العمل أو السكن) ويمكننا أن نعتقد بأننا نعرفه، وفي الحقيقة فإن ما نعرفه عنه هو ما لا قيمة اخلاقية له (الاسم، المهنة، الموقع الاجتماعي والمادي)، ولكن ما هو مهم في الحقيقة مما يخبرنا به الأديب عن هذا الإنسان يبقى في العادة مجهولاً! “من كتاب الهروب إلى الحرية”.

لنبدأ الرحلة:

مما قرأت وأعجبني: أن وضوح نية شخصًا ما وتصرفاته يكون أحيانا مربكًا لبعض الناس، خاصةً الذين اعتادوا على إخفاء نواياهم الحقيقية.

هؤلاء الأشخاص قد ينظرون إلى واضح النية بشك، فقط لأنه واضح، ويصرون على أنه يخفي شيئًا آخر. والقوة ليست فقط في القدرة على التحمّل، بل أيضًا في القدرة على التعبير عن النفس دون خوف، وامتلاك الشجاعة لقول الحقيقة دون مصالح مخفية أو تزييف.

يقول دوستويفسكي: "كلمة حق واحدة قد تُربك عالمًا من الأكاذيب."

خلال رحلة إلى اسطنبول لإلقاء محاضرة عن أولويات المؤمن وأهمية ولائه لخالق الكون، جلست بجانبي على مقعد الطائرة سيدة بملامح إيطالية، وملابس وتسريحة شعر واكسسوار على النمط الغربي.

أثناء الرحلة عرّفت السيدة عن نفسها وتفاجأت جداً عندما علمت أنها عربية وتمتلك صالون تجميل، ورحلتها هذه إلى اسطنبول بهدف شراء مستلزمات للصالون.

سألتني السيدة عن هدف زيارتي لاسطنبول، وما إن أجبتها أنني بصدد إلقاء محاضرة عن أولويات المسلم وكيف نجعل ولاءنا لخالق الكون حتى انهارت بالبكاء، مما أثار تعجبي الشديد، وقالت باكية: أنا للعلم مؤمنة بالخالق وأحبه جداً، وأريد أن أجعله أولوية في حياتي، وبدأت بفتح حقيبة يدها مخرجة ملابس الصلاة قائلة: انظري! أنا محافظة على صلاتي وعلاقتي مع خالقي، وأريد أن أستمر, وأن أمتثل لباقي أوامر الخالق، أرجوكي إدع لي الله أن يعينني على ذلك. أريد أن يسمع العالم كله من خلالي كلمة لا إله إلا الله.

تذكرت في تلك اللحظة شخصاً لطالما كان يحاول أن يُظهر أمامنا أنه متعلق بالدعوة إلى الله، لكن أفعاله خانته، وأظهرت العكس عندما طلب مني أن أتوقف عن قول عبارة( من هو الله؟) عندما أتحدث لكبار الشخصيات، وهي عبارة استخدمها كمدخل للحوار مع غير المسلمين للتعريف بخالق الكون، وأرسل من يقول لي: الدعوة إلى الله تكفي بالابتسامة!

قلت في نفسي في تلك اللحظة: قد يكون هذا الموقف من اختبارات الصدق التي فشل فيها هذا الشخص والمرسال، ولعلي أنجح بها أنا والسيدة بطلة قصتنا إن شاء الله.

فمن اعتادوا الصبر والأدب والثبات، هم الأقوى، لأنهم لم يتنازلوا عن مبادئهم.

امتحانات الصدق:

تمتد الأيام والأماني في حياة الإنسان، وتمتد معها امتحانات الصدق!

ومهما اختلفت همم الناس في مطالبهم، وتنافسوا بإنجازاتهم وممتلكاتهم، واستكبروا أو غفلوا، فإن نهاية الأمر كله في ثلاث: وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين.

كل ما يواجه المسلم من ابتلاءات، وكذلك ما يحصل عليه من نعم وعطايا! إنما ليمتحن الله بها قلبه، وليميّز الظالمين، وإن الظلم عظيم!

هل الولاء للوظيفة وللمسؤول، أم للخالق؟

هل الولاء لكلمة الحق، أم لكلمة الباطل؟

هل الولاء لمصلحة شخصية، أم لخالق الكون؟

هل تطبق العدل، ولو على نفسك؟

وما دمنا مسافرين إلى الخالق، فلنحذر ونحن نعبر هذه الدنيا من التقليل من قيمة شرف الإيمان في نفوسنا.

ولنحذر أن تُنسينا سفاسف الأمور ودنايا الهمم الهدف الحقيقي من الحياة، ولنحذر من الظلم، ولو بكلمة!

انسانية الانسان:

درسنا في جامعة الأزهر أن أعظم قيمة تحقق إنسانية الإنسان وكرامته هو سعيه إلى الحق، وتحقيقه له، وثباته عليه، واستقامته على طريقه.

والإنسان دائما قلق يحاول ـ بمقتضى ما وهبه
الله تعالى من عقل ـ أن يغوص في أعماق هذا الوجود، وأن يستكشف أسرار هذا الكون، وأن ينظر فيما وراء هذا العالم المحسوس الذي يريد الإنسان أن يصل إلى أسبابه التى تفسر وجوده .

وليصل الإنسان من وراء ذلك كله إلى سبب جميع الأسباب وحقيقة الحقائق والتي هي الخالق، حتى يقوم بوصل نفسه بهذا الخالق عن طريق معرفته به، والقيام له بواجب العبادة والمتمثلة بالولاء والطاعة والشكر.

الغاية من الخلق:

يقول العالم الكردي سعيد النورسي:

إن أسمى غاية للخلق وأعظم نتيجة للفطرة الإنسانية هو الإيمان بالله (الخالق).

وأن أعلى مرتبة للإنسانية وأفضل مقام للبشرية هو معرفة الله (الخالق) التي في ذلك الإيمان.

وأن أزهى سعادة للإنس والجن، وأحلى نعمة هي محبة الله (الخالق) النابعة من تلك المعرفة.

وأن أصفى سرور لروح الإنسان وأنقى بهجة لقائه هو اللذة الروحية المترشحة من تلك المحبة.

وإذا عرفنا الله (الخالق) تعالى بمثل هذا التعمّق المعرفي حقّ معرفته فإننا سنصل إلى الطريقة الصحيحة للتخطيط لحياتنا، وسنسعى للسير والثبات على هذا الطريق.

مهمة شاقة:

‏المؤمن يمضي حياته كلها في مقاومة الفتن والاختبارات بأشكالها المختلفة و مُحاولة لترويض نفسه.

يهزمها مرة و تهزمه مرات. كل أمله أن يلقى الله غالبًا لا مغلوبًا.

وفي هزيمة الانسان لنفسه انتصاره ونجاته.

يقول الخالق في سورة العنكبوت:69:

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ

وقيمة المرء الحقيقية بمقدار ما يلتزم لا بمقدار ما يتخلى.

“والحرية الحقيقية هي التخلص من أي عائق يجعل الإنسان لا يطيع رب العالمين، فتحرر الإنسان هو تخلصه من الشيطان والهوى والتقاليد التي تُخالف أوامر الخالق، فالحرية هي أن يتحرر الإنسان مِن كل ما سوى الخالق.”

رسالة سامية:

يقول الخالق:

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني مني المسلمين [فصلت : 33].

قال الحسن البصري عن الداعي إلى معرفة الخالق بناءً على ما جاء في الآية الكريمة:

هذا ولي الله، هذا حبيب الله، هذا خيرة الله من خلقه، دعا إلى الله تعالى، وأجاب الله فيما دعاه. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

على سبيل المثال لقد قيل – كشكل من أشكال الفتن والاختبارات وهي الرئاسة في العمل- أن المدير الفاشل هو:

  • المدير الذى يهمش موظفين لأسباب شخصية رغم كفائتهم وولائهم لخالق الكون، ويكافئ موظفين فاسدين لمجرد أن ولائهم له.
  • المدير الذى يراقب الموظفين فى أمور تافهة ويحاسب ويعاقب من ينتقده ولا يتواصل مع أشخاص هو على خلاف شخصي معهم فقط لاختلافه معهم.
  • المدير الذى يرى نفسه أذكى البشر، و أن بيده مصائر موظفيه، فلا يتعامل معهم إلا على حسب حالته النفسية أو المزاجية، وكالعادة يحيط به المنافقون الذين يعملون على إرضاءه بما يحب.

وهذا لأن ولاءه لنفسه، لمنصبه، لأجندة يطبقها، وليس لخالق الكون، فلو كان ولاءه للخالق، ما كان قد ظلم ولا اقتص لنفسه، ولا همش المتميز. ويكون في هذه الحالة قد فشل في الاختيار. لأنه اعتبر المنصب تشريف لا تكليف، وتصرف بناء على هذا الافتراض الخاطئ.

مغادرة إلى عالم آخر:

أحيانًا أتساءل كيف نسير في هذا العالم بأثقالٍ مخفية عن أبصارنا، ومع ذلك نجد سبيلاً للابتسامة، والحُب، والأمل!

وأقول في نفسي: ما خذلك أحد إلا وأعطاك درساً في التوحيد مفاده: لا يفي بالعهود إلا الله. فتعلم أن تنفض يدك وقلبك من الناس.

‏والأخلاق في الإسلام ليست مجرد نصائح عابرة، بل هي قيم راسخة تتجسد في الأحكام والحدود التي شرعها الله، والتي دافع عنها الأنبياء في معركتهم مع الظالمين.

قال خالق الكون:

تِلكَ حُدُودُ الله فَلَا تَعْتَدُوها 229 سورة البقرة.

والحق كما يقال لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف بالدليل، فإذا جاءك الحق من خصمك أو من شخص تختلف معه، يجب قبوله كما تقبله إذا صدر منك أو من موافقيك.

وأخذت أخيراً قرار المغادرة من طرف العالم الذي أعيش فيه إلى مكان في الطرف الآخر من هذا العالم؛ مكان أستطيع أن أتحرر فيه من قيود العبودية لأمزجة وقناعات أشخاص ولائهم لغير الخالق.

وفي الطرف الآخر من العالم وجدت نفسي، ووجدت أماكن رحبة أقول فيها “من هو الله”، وأقوم بتعريف الناس بخالق الكون.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:

اللَّه هو الركيزة الأساسية لكل شيء، الركيزة الأساسية للتواصل بين الناس، لضمان أن الحقيقة حقيقة فإن نُسِي اللَّه الركيزة تنتهي.

يقول الخالق:

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 46 سورة الزمر

الولاء للدين الصحيح والبراء مما سواه:

الدين الصحيح هو:

  • إعطاء الخالق حقه بعبادته وحده، وشهادة أنه الواحد الأحد الذي ليس له شريك في الملك ولا ولد، و الإقرار بأن الخالق منزه عن أن يكون له ولد، ومنزه عن التجسد في صورة إنسان أو حيوان أو صنم.
  • إعطاء البشر حقهم بالتواصل مع خالقهم مباشرة دون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط، والطلب عند الحاجة والشدائد من الخالق مباشرة، وليس من أي نبي بما فيهم نبي الله محمد أو لأحد من آل بيته.
  • اعطاء رسل الخالق حقهم، جميعهم من آدم إلى محمد بما فيهم المسيح وموسى عليهم الصلاة والسلام، وذلك بالإيمان بهم واحترامهم واتباع رسالة آخر نبي فيهم وهو محمد عليه الصلاة والسلام.
  • إقامة المساواة بين البشر وتخليص البشرية من التعصب العرقي المقيت. فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
  • إطلاق الحريات، والسماح في اختيار الدين وممارسة شعائره.
  • لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
  • رفع الاضطهاد والظلم عن البشرية، ونصرة المظلوم.

وأساس جميع الحقوق هو حق الخالق، في معرفته، ثم التعريف به، و عبادته وحده، والولاء له ولحقه، والبراء ممن سواه.

581total visits,1visits today

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *