ما من مولود من ذرية آدم يولد إلا ومعه الفطرة الأولى، والفطرة هي بوصلة الغرائز، والسبب أن الفطرة هي المُوجِّه الذي يُحدد منهاج عمل باقي غرائز الإنسان. فالغرائز هي كل ميل وحاجة طبيعية، فإذا حاول الفرد الحصول على هذه الحاجة (الغريزة) بشكل يخالف منهجية الفطرة فسوف يظهر الخلل جليًا في سلوكه.

ولقد أرسل الخالق الأنبياء جميعًا في عهود تشوهت فيها فطرة الإنسان، وذلك عندما حاول الإنسان سد حاجاته الطبيعية بشكل يخالف فطرته، فأرسل الخالق الرسل لإصلاح تلك التشوهات وإعادة الناس إلى فطرتهم السليمة، فالغرائز كانت ولا زالت كما هي، لكن منهجية عمل الغريزة تشوه.

على سبيل المثال:

  • غريزة البحث عن الطعام ومدلولها الجوع: المنهجية الفطرية هنا ألا يسرق الإنسان أو يقتل بغير وجه حق لمجرد حاجته للغذاء.
  • غريزة الحاجة إلى الزواج، ومدلولها الرغبة: المنهجية الفطرية هنا ألا يحصل الإنسان على هذه الحاجة من خلال علاقات خارج إطار الزواج الشرعي، أو تكوين هذه العلاقات مع من لم يصل إلى سن البلوغ، أو مع نوعه وجنسه.
  • غريزة التملك ومدلولها الاقتناء والجمع: المنهجية الفطرية هنا هو ألا يسرق الإنسان ممتلكات غيره، وألا يسطو جماعات ويحتل أرضًا.

ولقد خلق الخالق الملائكة وزودهم بعقلانية بلا رغبات، وخلق الحيوان وزرع فيهم رغبات بلا منطق عقلانية، وخلق الإنسان برغبات وعقلانية. فإذا سيطرت عقلانية الإنسان على رغباته يرتفع بشأنه إلى مقام الملائكة أو أفضل منهم. وإن تحكمت رغباته به فينزل إلى مقام الحيوان أو أقل.

وهيمنة عقلانية الإنسان على رغباته هي الطريق الوحيد للوصول إلى السعادة الحقيقية الدائمة الممتدة في الدنيا والآخرة.  وعندما يضع البشر قيماً انسانية (دين وضعي) فهي ليست قيمًا قابلة للصواب والخطأ والتعديل فقط، وإنما لا توفر أيضًا الدافع الذي يجعل البشر يلتزمون بها. إنها مجرد شعارات تجعل من الرفاهية والمتعة والراحة البشرية القيمة نفسها. هذه الشعارات لا تعطي للإنسان قيمة أو غاية تتخطى متعته في هذه الأرض. فدين الخالق يعطي للإنسان قيمة وغاية في هذه الحياة لا تتوقف عند حدود متعته وشهوته ولذته.

دين الخالق يعطي للإنسان قيمة وغاية تتخطى ذاته.
بأن يكون هدف الإنسان الأسمى هو رضا الخالق وحبه وتقواه وخشيته وجنة بعد الموت تحيا فيها مع الأبطال الحقيقيين من الأنبياء والصالحين الذين أفنوا أعمارهم وضحوا بأرواحهم من أجل قيم أعلى من مجرد رفاهية ومتع زائلة.

في حوار لي مع أعضاء منظمة دولية تعنى بحقوق الطفل سألني أحدهم: لماذا لا تتزوج المرأة أربع رجال كما يتزوج الرجل في الإسلام؟

قلت له: لأن الإسلام جاء ليقيم العدالة على وجه الأرض، ويعطي كل ذي حق حقه.

وسألت الحضور قائلة: ما هو أول حق من حقوق الطفل؟

قال أحدهم: الحب.

قلت: أول حق من حقوق الطفل أن يعرف والده، والذي سوف يمنحه الحب والحنان حين يعيش معه حياة كريمة. وأضفت قائلة: وحق الطفل في الحياة أيضًا.

سأل أحدهم: وكيف ذلك؟

أجبته: وفقاً لتقرير صندوق الأمم المتحدة عن حالة سكان العالم لعام 2022، فإن ما يقرب من نصف جميع حالات الحمل في جميع أنحاء العالم غير مرغوب بها، وقد ينتهي أكثر من 60 في المئة منها بالإجهاض. يجرى سنوياً نحو 73 مليون حالة إجهاض متعمّد في جميع أنحاء العالم.

وسألته: ماذا يعني هذا؟ أين حق هؤلاء الأطفال في الحياة؟

وقلت له : تتجلى رحمة الخالق ومحبته لخلقه قبل محبة البشر لبعضهم البعض في شريعته وأحكامه والتي هي خير ورحمة للخلق والتي جاءت لحفظ الضروريات الخمس التالية:

  • حفظ دينهم.
  • حفظ عقولهم وأفكارهم والمتمثل بتحريم الخمر.
  • حفظ أعراضهم، أنسابهم وأولادهم المتمثل بتحريم الزنا.
  • حفظ أموالهم وممتلكاتهم المتمثل بالقوانين الصارمة ضد المجرمين.

في الواقع، لن يعترض على هذه الحدود والقوانين الصارمة إلا المجرمين وقطاع الطرق والمفسدين في الأرض لخوفهم على أنفسهم، والتي وُضعت للردع ولعقاب من يقصد الإفساد في الأرض، بدليل أنها تُعطَّل في حالات القتل الخطأ أو السرقة بسبب الجوع والحاجة الشديدة أو الاشتباه. ولنتخيل معًا حاكم قرية يعلن على الملأ:

● حقوقكم محفوظة.

● أموالكم أمانة في أعناقنا، وتحت حراستنا المشددة، ومن يقترب منها سارقًا لسوف نقطع يده.

● أنتم في أعيننا، وحياتكم عزيزة علينا، ومن يقترب منها قاتلاً سوف ننهي حياته.

الآن، ماذا يمكننا أن نُطلق على حاكم هذه القرية؟ هل يمكننا إطلاق لقب وحشي أو بربري عليه؟

فكل ما يتعلق بهذه الضروريات الخمس السابق ذكرها من أحكام إنما جاءت رحمة بالناس بالمحافظة عليها وحمايتها من الفساد والعدوان، ورفع الحرج والعنت عن الناس، وحفظ لكل ذي حق حقه، حتى يتسنى لهم العيش في بيئة صالحة وآمنة وسعيدة، حيث إن الحق في البيئة السليمة هو من ركائز حق الحياة.

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. (البقرة: 205)

وبحكم عشقي الكبير للشعر واهتمامي به الكبير به منذ صغري وكتابتي لبعض الأشعار ومشاركتي في صغري لبعض المسابقات الشعرية تذكرت عند حواري مع أعضاء هذه المنظمة الدولية تفاصيل دقيقة لتحليل شخصية شعراء صعاليك الجاهلية التي أوضحت بصورة كبيرة اهتمام الشعراء في ذلك الوقت بقضايا المجتمع الذي عاش فيه والإشكالات المتناقضة التي ظهرت فيه، حيث إن هؤلاء الشعراء طالما حاولوا إثبات ما لديهم من كفاءة وقيم أسرية عالية ووجودهم الفعال في المجتمع، على المستويين: الشعري والاجتماعي.

عندما أقوم بمراجعة الشعر الجاهلي من وقت إلى آخر، كثيرًا ما يلفت انتباهي جانب الرحمة والشفقة على الضعفاء، أي الجانب الإنساني، لدى الشعراء الصعاليك وبخاصة لدى زعمائهم البارزين؛ ومما لا شك فيه أن هذا الجانب جدير بالبحث وبتسليط الضوء عليه، والوقوف على أهم دوافعه، ومدى صلته بالقيم العربية الأصيلة.

لقد أكد على سبيل المثال الشاعر الجاهلي عروة بن الورد وغيره من شعراء الصعاليك في أشعارهم أن قيمة الإنسان بفعله وما يقوم به من أعمال، وبالتالي فليس للمال قيمة في ذاته ما لم يوظف في دفع الشدائد عن المحتاجين، فالمال عندهم وسيلة لا غاية. كذلك، أعطوا أهمية لقيمة العقل، فليس للإنسان أن يستسلم للخرافات التي لا تصدقها التجربة. وأيضًا انتقد عروة مجتمعه لتمسكه بالتعصب القبلي، ورأى أن شرف الإنسان في أفعاله وبطولاته.

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على مفهوم القيم بدايةً، ثم التطرق إلى القيم الإنسانية في شعر الصعاليك وخصائصه، والمفهوم الغربي لهذه القيم اليوم. واثبات إن نزوع الصعاليك نحو السلب والغارة لم يتوارثوه، بل ظهر عندهم بسيي واقع مرير عاشوه من الحرمان، الظلم، والتهميش، مما أدى بهم إلى محاولة البحث عن أسباب للثراء والكسب تطلعًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ولعلّ تأويل مواقفهم ومسالكهم إزاء الفقراء وعطفهم عليهم ومشاركتهم طعامهم، يؤكد سلامة هذا التحليل ومدى منطقيته.

قيم ومبادئ:

قال لي ملحد يومًا: لقد جئنا من لا شيء وسوف نذهب إلى لا شي.

قلت له: سوف أروي لك قصة رمزية. في أحد المواقع البنائية ذهب مدير العمل فشاهد ثلاثة عمال يقومون بتكسير بعض من الحجارة الصلبة الضخمة، فقام بسؤال كل منهم على حدا، فسأل العامل الأول: ما الذي تفعله؟

فأجابه: أقوم بتكسير هذه الحجارة كما أمرني مديري في العمل.

وسأل الثاني: ما الذي تفعله؟

فأجابه: أقوم بعمل أشكال فنية جميلة بهذه الحجارة، ألا تعجبك؟!

وسأل الثالث: ما الذي تفعله؟

فأجابه: أنا أقوم ببناء ناطحات للسحاب، لا يوجد من هو أفضل منا بالعالم، أليس كذلك؟!

المغزى من القصة: كل منا يرى الحياة من وجهة نظره، لذلك فبإمكان الجميع التغيير من حياتهم إلى الأفضل، فالعامل الأول رأى نفسه ليس مجرد إلا عبد ينفذ الأوامر المطلوبة منه بخلاف العامل الثاني الذي رأى نفسه فنانا تشكيليا والعامل الثالث الذي رأى نفسه شخصا لا يفوقه أحد ولا تكسره أية حدود.

فما هو قرارك؟ أن تكون شيء مهم وتعيش من أجل قيمة عليا، أم تكون لا شيء؟

قال: ما هي القيمة؟

قلت له: القيمة هي المحرك والمحفز عند الإنسان. ومثال ذلك، عندما يحضر الإنسان دورة تدريبية مثلا، فما هو الدافع عنده لحضور هذه الدورة؟ فالجواب هو قيمة العلم مثلا. أو من يذهب إلي نادي رياضي باستمرار، فما هو الدافع وراء هذا التصرف؟ فقيمته العالية هي الصحة واللياقة البدنية.

والقيم هي تفضيلات شخصية. والقيم بشكل عام هي صفات حميدة. ولكن الاختلاف بين الأشخاص في ترتيب الأولويات عنده في اختيار القيمة الأهم من هذه القيم. وحسب اختياره يتحدد مقامه عند خالقه. فقيمة الخلود بعد الموت والعمل لأجلها يجب أن تكون هدف كل إنسان.

قال: ما الفرق بين القيم والمبادئ؟

قلت له: المبادئ هي فكرة أو قناعة يتبناها الإنسان. وقد تكون خاطئة على عكس القيم.

على سبيل المثال: شخصين لديهم قيمة الصدق عالية، وهي رقم واحد في قائمة أولوياته.

لكن أحدهم عنده مبدأ بقطع علاقته مع من يكذب عليه مرة واحدة.

لكن الشخص الثاني ممكن أن يعذر من كذب عليه ويعطيه فرصة أخرى.

قال: وماذا عن الأخلاق؟

قلت له: الأخلاق هي الفعل الذي ينتج من القيم.

ويقال القيم للفرد والأخلاق المجتمع. ويقال إنه عندما تريد ان تغير أخلاق مجتمع فيجب أن تغير قيم أفراده.

آخى نبي الله محمد بين المهاجرين والأنصار، فرفع بذلك قيمة الأخوة، فنتج عن ذلك الأخلاق وكثير من الصفات الحميدة.

لقد وجدت أخيرا بعد بحثي الطويل أن:

  • القيمة العليا التي يجب أن يختارها البشر هي حق الخالق، والتي يجب أن تكون على رأس قائمة أولويات جميع البشر.
  • المبدأ الذي يجب أن يتخذه البشر هو أن المساس بحق الخالق هو خط أحمر بالنسبة له.

والشعور بالعبودية للخالق يشعر الإنسان بالمساواة والعدل بين الناس، لأنهم جميعاً متساوون في صفة العبودية لله الواحد الأحد. لذا فإن المجتمع الذي تسود فيه العبادة والعبودية للخالق لا يجد الناس فيه غاية في الحياة غير الخالق، ولا يملأ آفاق نفوسهم شيء غير العبودية له. فيحطّم الناس حينذاك أصنام العبوديات المختلفة، صنم المال، والشهوة، والجاه، والسلطة، والكبرياء، إلخ. ليكونوا أحراراً كما خلقوا، وكما أراد لهم خالقهم العظيم.

مفهوم الصعلكة:

        عرَّف معجم لسان العرب لابن منظور لفظ الصُّعلوك بأنه: الفقير الذي لا مال له، ويقول الدكتور شوقي ضيف «الصُّعلوك: الفقير الذي لا يملك من المال ما يُعينه على أعباء الحياة، ولم تقف هذه اللفظة عند دلالتها اللغوية الخالصة، فقد أخذت تدل على مَن يتجرّدون للغارات وقطع الطرق»[1]

وفي المفهوم الاصطلاحي: الصّعاليك هم أولئك الذين يسهرون الليل في الإغارة والغزو والنهب في سبيل الحصول على الرزق، أي أنهم نفر أو جماعة تجاورت مجموعة خصالٍ وصفات في إهابهم، يأتي في مقدمتها الفقر والشجاعة، ما جعلهم أصحاب مذهب خاص أو منزع بعينه في الحياة، يمتزج فيه الإملاق والاحتياج والتشرّد مع الإقدام والتمرد والاحتجاج على الأعراف السائدة في القبيلة وَفق نمط خاص أو أسلوب متفرد.

والصعلكة بوصفها ظاهرة اجتماعية، عرفها المجتمع الجاهلي، تولدت بفعل أسباب عديدة من بينها عدم إمكانية تعايش الفرد في إطار القبائل العربية بأنظمتها القاسية، ونبعت من الإحساس بالضياع و عبثية الحياة، إذ تبنت هذه الظاهرة شريحة من هذا المجتمع عرفت بالصعاليك، خرجوا عن قبائلهم وفقدوا كل أمل بالعدالة الاجتماعية، وآمنوا بأنهم ظلموا في بلاد تسودها القسوة، رسموا معالم لحياتهم عرفوا بالسلب و النهب والعيش في الصحراء، وكانوا من المتمردين على بعض أعراف المجتمع التي لا ترحم الفقير البائس.

الصعاليك والقيم الإنسانية:

قد يتساءل البعض سؤالاً جوهريًا حول مصدر القيم الإنسانية لدى الشعراء الصعاليك، وهو بلا أدنى شك تساؤلاً منطقيًا، خاصة عندما نتأمل درجة القسوة والهمجية في أفعالهم، وما قد يترتب على هذه الأفعال من قتل وسفك للدماء واعتداء على الحرمات وتجاوز لحدود المروءة، والجواب على ذلك هو أن الواقع المرير من فقر وقسوة الحياة القبلية هو ما جعلهم يتمردوا على الفطرة السليمة التي غرزها الخالق في نفوسهم من قيم إنسانية نبيلة وطمسها، مع استمرار ظهورها وتجليها من وقت لآخر من خلال مواقفهم وخطاباتهم.

أنواع الصعاليك:

لقد انقسم الصعاليك من ناحية النوازع الداخلية إلى فريقين، فهناك الشخصية المتمردة التي رأت في هذه الحركة فرصة جيدة تظهر فيها بطولتها على المستوى الفردي، وتستغلها إلى أبعد حد في إرضاء ما في نفسها من نزعة شريرة، ونوع آخر من الصعاليك رأت أن يكون تمردها وسيلة لغاية معينة، وهي رفع الظلم عن المظلومين، وتهيئة الفرصة للفقراء المهضومة حقوقهم ليشاركوا سائر أفراد مجتمعهم في حياة اجتماعية كريمة من خلال تطبيق نوع من المساواة، وإلى هؤلاء ينتمي أمير الصعاليك عروة بن الورد العبسي على سبيل المثال.

لقد سُمي عروة بن الورد العبسي، بعروة الصعاليك كما يقول بعض المؤرخين؛ لأنه “كانَ إِذا شكا إِليه فَتى من فتيَان قومه الفقر أعطَاهُ فرساً ورمحاً وقال لهُ: إِن لم تستغنِ بهما فلَا أَغنَاك الله”. لذا كان عروةُ فارسًا لا يرى نفسه إلا مع الفقراء، ولا يحبّ إلا أن يكون الفقراء أقوياء، حتى ولو أغاروا على قبائلهم أو أعدائهم، وكان يجمعُهم ويقومُ على أمرهم ويعطيهم إذا أخفقوا في غزواتهم.

صور من الرحمة الإنسانية لدى الصعاليك:

تعدّدت مواقف وصور العطف والحنان والرحمة في مسالك الشعراء الصعاليك والإصرار على إشراك الفقراء طعامهم وشرابهم حتى في أحرج الأوقات وأشدّها إلى الطعام، وأفضل صورة نلقاها في هذا الباب الإنساني ما أودعه زعيم الصعاليك عروة بن الورد العبسي قصيدته المشهورة «إني امرؤ عافي إنائي شركة» التي يقول في بعض أبياتها: 

إني امرؤٌ عافي إنائي شِركةٌ

وأنتَ امرؤٌ عافي إنائك واحدُ

أتهزأُ مني أنْ سَمِنتَ وأنْ ترى

بوجهي شُحوبَ الحقّ والحقُّ جاهدُ 

أُقسّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ

وأحسو قَراحَ الماءِ والماءُ باردُ

 فهذا التعبير المجازي الجميل، الذي كنّى فيه عروة عن تقسيم الغذاء الذي يحوزه بواسطة السطو والنهب والغارة، بتقسيم جسمه، بلغ فيه منتهى البلاغة، إذ إنّ الغذاء أداة تنمية الجسم، وعليه فإن مَن يُقسّم غذاءه على من حوله كأنما يُقسم جسمه عليهم، كما أنه تعبيرٌ يحتوي على أبعاد إنسانية عظيمة في الشهامة ويقظة الضمير.

 أما الشاعر تأبط شرًا ثابت بن جابر فيقول في أبيات رقيقة وإنسانيةً:

  • تقولُ أهلكْتَ مالًا لو قنِعْتَ به 
  • من ثوبِ صدقٍ ومن بَزٍّ وأعلاقِ 
  • عاذِلتي إنّ بعضَ اللوم مَعنَفَةٌ 
  • وهل مَتاعٌ وإنْ أَبقيتُهُ باقٍ 
  • إني زعيمٌ لئن لم تتركوا عَذَلي 
  • أن يسأل الحيُّ عني أهلَ آفاقِ 
  • أن يسأل القومُ عني أهلَ معرفةٍ 
  • فلا يُخبرهم عن ثابتٍ لاقِ

يؤكد تأبط شرًا  لزوجته بعقلانية بأن المتاع الحسي زائل مهما بالغنا في الحرص عليه، ويوضّح لها بأنّ شرف المرء لا يتمثل في  المال، بقدر ما يتمثل في تخفيف الفقر عن المحتاجين.

وقد عبر عنها الأديب والفيلسوف الروسي الكبير تولستوي بطريقة بديعة في قوله: «إذا شعرتَ بالألم فأنت على قيد الحياة، أما إذا شعر بألم الآخرين فأنت إنسان»

عبودية بمُسمى الحداثة الغربية:

إن أهواء الإنسان، رغباته، وميوله تبقى متأثرة، أسيرة ومقيدة بكثير من الأمور، مثل التعليم مثلا، التربية، التجربة، الأعراف والضغوطات الاجتماعية، الخ. نحن بحاجة إلى قانون ثابت صالح لكل زمان ومكان. فالخمر والتدخين أصبحا في كثير من الدول عرف اجتماعي مقبول مع خطورته الكبيرة والمعروفة على المجتمع.

قال الخالق في سورة الزمر:

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)

بمعنى أنه ما هو الوضع الأفضل للإنسان، أن يكون عبداً لإله واحد أم لآلهة كثيرة؟

الخالق في الآية القرآنية لم يفترض إمكانية حصول الإنسان على الحرية المطلقة بعدم التسليم لإله كما يدعي بعض البشر اليوم. فالإنسان بطبيعة الحال لم يختر أسرته ولا موطنه ولا لونه ولا عرقه ولا حجمه. فهو عبد لخالقه في جميع أحواله. فالخالق ينتظر من الإنسان أن يختار أن يكون عبداً له في الجوائب التي يمتلك فيها حرية الاختيار، وإلا فسيصبح الإنسان عبداً لأي شيء غير خالقه.

إن العبودية لله هي عكس العبودية في مفهومنا، فالعبودية في مفهومنا هي أن يأخذ السيد خير العبد، أما العبودية لله فهي على العكس، فهي أن يُعطي السيد عبده ما لا حدود له من النعم، ويخلع عليه ما لا نهاية من الحماية من نفسه ومن المجتمع، وتهبه حرية من كل العبوديات الأخرى. فهي حرية ترفع من شأن الإنسان. فمن السهل أن يكون الإنسان حرًّا ليختار أن يسرق أو أن يزني أو حتى الزواج من الحيوان، وهذه هي الحرية بالمفهوم الغربي، ولكن مقاومة هذه الرغبات والانتصار عليها هي الحرية بالمفهوم الإسلامي. وبانتصار الإنسان على شهواته ورغباته يثبت إنسانيته.

وهؤلاء الصعاليك المتمردين على نظام القبيلة لم يظهروا فجأة أو على حين غرة في مجتمعهم، بل تشربوا الكثير من القيم والتوجيهات الأخلاقية التي نشأوا عليها، فمما لا شكّ فيه أن الشعراء الصعاليك قد مرّت بهم في حياتهم فترات عاشوا فيها مع قبائلهم حياةً قبلية متوافقة توافقًا اجتماعيًا، وهي تلك الفترات التي سبقت حياتهم في ممارسة الصعلكة، إذ ليس مما يمكن تصوّره أن يبدأ هؤلاء الصعاليك حياة الصعلكة منذ أن ترى أعينهم نور الحياة، وإنما الذي يمكن تصوره أنهم عاشوا فترة من حياتهم قصرت أو طالت مع قبائلهم، فليس التصعلك بالظاهرة الوراثية، وإنما هو ظاهرة تعمل فيها عوامل جغرافية واجتماعية واقتصادية[2].

حرية واختيار:

إن الذي اختار أن يقطع الطريق لكسب المال لوجود ضغوطات مادية واجتماعية عليه كالصعلوك على سبيل المثال، فهو في هذه الحالة قد حصل على الحرية بالمفهوم الغربي اليوم، لكن هو في الواقع عبد للضغوط المجتمعية في المفهوم الإسلامي. هذا المفهوم الإسلامي الذي قدم بدوره نوعاً آخر من أنواع الحرية يضمن له راحة أبدية في الدنيا الآخرة، وهي حرية المشاعر وتعلقه فقط بخالقه.

الحرية في الإسلام مفهوم مصيري، لأن الإسلام يحرر البشر من عبودية المشاعر، فقضية الحرية في التصور الإسلامي هي أكبر قضية في التاريخ الإنساني، لأن أقصى غاية لليبرالية هي أن تحرر الإنسان من سيطرة إنسان آخر مثله، والتي هي سلطة مادية لا تبالي بالإكراه المعنوي. أما الحرية في الإسلام تجعل الإنسان بقلب حر ومشاعر حرة من الخوف من الفقر أو الجوع، الخ، فهو لا يخاف إلا الخالق.

إن خيار كل شخص فيما يتعلق بفعله للأمور هو قرار متشابه، فالقاتل الذي يمتهن القتل يفعل ذلك لأن القتل يشعره بمتعة. والملحد ليس لديه معيار أو طريقة ليقنع فيها هذا القاتل أن ما يفعله خاطئ. فكثير من الجرائم كانت سبب متعة لمرتكبيها. وهكذا يصبح الإنسان عبداً لمتعته الشخصية. والمتعة تقلل من قدرة الإنسان على الاختيار الذاتي والتفريق بين الصواب والخطأ، وتثبط الهمة عن السيطرة على النفس. فالعبودية للأهواء تثبط صاحبها عن إدراك الصواب من الخطأ. ولكن بالوعي ممكن أن يتدارك الإنسان نفسه.
لهذا نريد نظام يقوي لدينا مفهوم التقوى. وهو درجة وعي الإنسان برقابة رب العالمين. والبشر بحاجة لأن يخضعوا لمصدر أعلى وأسمى من تحليلاتهم الشخصية للصواب والخطأ.

يقول علي عزت بيجوفيتش[3]: التسليم لله هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حل لها ولا معنى، إنه طريق للخروج بدون تمرد ولا قنوط ولا عدمية ولا انتحار. إنه شعور بطولي (لا شعور بطل) بل شعور إنسان عادي قام بأداء واجبه وتقبل قدره.

كلمة أخيرة:

لقد جاء دين الإسلام ليقيم العدل على الأرض.

وهو الدين الذي جاء به جميع أنبياء الله لجميع الأمم، والذي انحرفت عنه جميع ديانات الأرض التي قدس أتباعها أنبياءهم والصالحين منهم.

ولكن أي عدل؟

إنه العدل الذي يضع الأمور في نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه.

  • إعطاء الخالق حقه بعبادته وحده، وشهادة أنه الواحد الأحد الذي ليس له شريك في الملك ولا ولد، و الإقرار بأن الخالق منزه عن أن يكون له ولد، ومنزه عن التجسد في صورة إنسان أو حيوان أو صنم.
  • إعطاء البشر حقهم بالتواصل مع خالقهم مباشرة دون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط، والطلب عند الحاجة والشدائد من الخالق مباشرة، وليس من أي نبي بما فيهم نبي الله محمد أو لأحد من آل بيته.
  • اعطاء رسل الخالق حقهم، جميعهم من آدم إلى محمد بما فيهم المسيح وموسى عليهم الصلاة والسلام، وذلك بالإيمان بهم واحترامهم واتباع رسالة آخر نبي فيهم وهو محمد عليه الصلاة والسلام.
  • إقامة المساواة بين البشر وتخليص البشرية من التعصب العرقي المقيت. فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
  • إطلاق الحريات، والسماح في اختيار الدين وممارسة شعائره.

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

  • رفع الاضطهاد والظلم عن البشرية، ونصرة المظلوم.

كان مما لفت انتباهي عبارة للكاتبة الإيطالية لورا فيتشا فاليري ذكرها أحمد بن يوسف السيد في كتابه محاسن الإسلام حيث تقول:

حسبُك أن الحروب التي هي أقصى ضرورات الحياة الإنسانية قد صارت بفضل محمد أقلَّ وحشية وقسوة؛ إذ إنَّه كان يطلب من جنودِه ألا يقتلوا شيخًا ولا امرأة ولا طفلاً، ولا يهدموا بيوتًا لم تتخذ كمعاقل حربية، ولا يدمروا ما بها من أسباب الحياة، ولا يَمسوا الأشجارَ المثمرة والنخيل.

مراجع:

بحث مادة الأدب والنصوص. فاتن صبري. باشراف الأستاذ الدكتور عبد الرحمن فايد. جامعة الأزهر.

فاتن صبري «كتاب حرب على الحقيقة».

www.fatensabri.com

يوسف خليف «الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»، (ص154).

شوقي ضيف «تاريخ الأدب العربي»، (ج1، ص 325). 


[1] (شوقي ضيف تاريخ الأدب العربي، ج1، ص 325). 

[2] يوسف خليف «الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»، (ص154).

[3]  ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي.

1026total visits,1visits today

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *