
احذر نَفسك فَمَا أَصَابَك بلَاء قطّ إِلَّا مِنْهَا.
وفاء شاب:
أعجبتني قصة شاب، والذي قال لي يومًا:
لقد كان حلم حياتي أن أهاجر إلى أمريكا، وحاولت المستحيل لأجل الوصول إلى هذا الهدف. قدمت طلبات للدراسات العليا هناك، وعندما تمكن اليأس مني للحصول على المنحة التي انتظرها للدراسة في أمريكا، ومع إلحاح أخواتي باختيار زوجة لي من بلدي وافقت على طلبهن، وقبلت باختيارهن.
قمنا بترتييات الخطوبة وعقد القرآن تمهيداً لحفل الزواج لاحقاً.
وما هي إلا فترة بسيطة، وبعد الخطوبة وعقد القرآن مباشرة، حتى وصلتني الموافقة على دراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان حلم حياتي الذي أنتظره بشغف.
وأخبرت خطيبتي والتي لا تربطني بها أي مشاعر حب بعد، وكذلك أخبرت أهلها أنني سوف أسافر للدراسة، وبمجرد عودتي نكمل مراسم الزواج.
وصل الشاب أمريكا، وأحب البلد ووجد بها ما كان يطمح إليه، وتعلق بها أكثر. وكانت المفاجئة عندما عرض عليه رجل أعمال هناك من أبناء بلده الزواج بإحدى بناته والإقامة الدائمة.
وكان عليه الاختيار بين العودة إلى بلده بعد التخرج، والتي تشح فيها فرص العمل، والزواج من خطيبته التي لا تربطه بها أية مشاعر حب أو تعلق بعد، وبين الزواج من ابنة الرجل الثري والإقامة في بلد الأحلام والفرص بالنسبة له.
واختار الشاب الوفاء بالعهد والالتزام بما ألزم به نفسه من وعد، مع عدم تعلقه بخطيبته في ذلك الوقت، ولكنه اختار عدم جرح مشاعرها وإلحاق الأذى النفسي بها ولو على حساب أحلامه، مع امكانية نقض العهد بحجة إرادة الله لهذا الأمر.
وقد أصبحت هذه الطيبة الآن زوجته وأم أولاده، وقد قذف الله حبها في قلبه وعوضه الله في مجال العمل أفضل مما كان يحلم به.
هذا الشاب و في هذا الموقف لم يتعامل مع نفسه على أنها محور الكون، ولم يستهن بمشاعر خطيبته، ولم يبخسها حقها في الإلتزام في عهده معها. وهذا الموقف تماماً يمثل نقيض الصورة القبيحة لمعظم الشباب المسلم في مجتمعاتنا اليوم، والذي تبنى مبدأ الفردانية التي تُروج لها العلمانية. فأصبح الشاب المسلم اليوم يصلي ويصوم، ولكن لا يفي بالعهود.
معاً بمفردنا:
ومع وفاء الشاب بطل قصتنا، كانت صديقة أمريكية مسلمة متزوجة من بنغالي قد أخبرتني عن معاناة ابنها مع زوجته، حيث قالت:
لقد قمنا بعقد قران ابني على فتاة بين فرحة الأهل والأصدقاء، وبعد أن أبدت الفتاة قبولها لابني، وتعلق بها وعاش قصة حب من طرفٍ واحد معها، حتى فاجأته بهدم كل شئ جميل وكسر قلبه بقولها: كنت أجرب حظي معك، ولم أشعر أنني أريد أن أكمل الطريق معك. وقالت: هذا ابتلاء من الله قد وقع عليّ.
ومع أن الفتاة في الواقع هي من اتخذت القرار، لكنها نسبت الفعل إلى الله، وهذا من أعجب ما نسمع من شباب هذه الأيام.
وقالت صديقتي:
نجد نوع من الفتيات اليوم، و اللاتي يشعرن بالكبرياء وتضخيم الذات، مما يجعلهن يتصورن بأن ليس هناك رجلاً يملأ أعينهن، ولهذا تنظر البنت لشريك حياتها الذي وافقت على الارتباط به بنظرة دونية، وتطمح إلى شاب يملأ كبرياءها، مما يؤدي بها لطلب الانفصال، ونقض العهد وكسر قلب هذا الشاب، دون أدنى مبالاة.
ما يحصل إنما هو بسبب ضعف قدرة الفتيات على التمييز بين ما هو خير لها والصبر على صراعها مع نفسها والتي قد أفسدها دلع الأهل، فالبنت اليوم لا تتحمل زوجاً يُغرقها حباً، ولا تُقدر ما يبذله من أجلها، فيكون لديها الاستعداد والرغبة لفسخ عقد القران بلا مبرر لمجرد أنها غير مبالية، وتتذرع بضعف المشاعر تجاهه، خصوصاً إذا كانت تنعم بشيء من الجمال وقدرة من الترف والثراء، وتشجّيع من قبل أهلها بحجة حريتها باتخاذ القرار، ولهذا نراها تطلب فسخ عقد القران وترفض الزواج من هذا الشاب!
ويكون الأهل في هذه الحالة قد جنوا على ابنتهم عندما أعانوها على هذا القرار دون أن يشعروا، وألحقوا الأذى والظلم بشاب لم يُقصر معهم.
يقول ابن القيم:
“احذر نَفسك فَمَا أَصَابَك بلَاء قطّ إِلَّا مِنْهَا، وَلَا تُهادِنها، فوَاللَّه مَا أكرمها من لم يُهنها، وَلَا أعزها من لم يُذلها، وَلَا جبرها من لم يَكسرها، وَلَا أراحها مَن لم يُتعبها، وَلَا أمّنها مَن لم يُخوّفها، وَلَا فرّحها من لم يُحزنها “.
تشير “شيري توركل” Sherry Turkle عالِمة الاجتماع الأمريكية، في كتابها “معاً بمفردنا” أن التكنولوجيا أصبحت تقوم بهندسة علاقاتنا الاجتماعية، فالانسان على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي له مئات بل آلاف الأصدقاء، لكنه ربما يفشل في إدارة علاقته داخل أسرته، وهو ما يقود إلى عزلة كبيرة، فالتكنولوجيا تملأ فراغ الإنسان، لكن البشر غير قادرين على البقاء بمفردهم، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون البقاء معاً، وأمام هذا التناقض، جاء الهاتف النقال ليقدم حلاً، ولكن تدميرياً للعلاقات الإنسانية.
حوار في واشنطن:
في جولة لنا في مدينة واشنطن العاصمة، وخلال رحلة في السيارة قادنا فيها عجوز من أصول لاتينية، تكلمت معه بالإسبانية فترة من الزمن، تفاجأ حرفياً بكل معلومة أخبرته بها عن الإسلام وعن دينه هو نفسه، وهو الكاثوليكية. تناقشنا في وضع الشباب اليوم وسردت له قصة الشاب الوفي والفتاة اللامبالية، فقال:
نحن هنا نعاني من تقوقع كل شخص على نفسه وعدم الإنفتاح على الآخر، أنا لا أتقن الإنجليزية وتمنيت أن يشرح لي أحد بلغتي كل ما أسمعه منكي الآن. أنا أعيش بين مسلمين، ومنهم من يتكلم الإسبانية، ولكنهم صدوني عندما حاولت أن أفهم بعض الأمور بحجة أن لكم دينكم ولي دين. وقال:
الفردانية تؤدي إلى نسبية الأخلاق، حيث تُصبح القيم الأخلاقية متغيرة ومعتمدة على تجارب الفرد الشخصية بدلًا من الالتزام بمعايير جماعية أو دينية. هذا التحول يؤدي إلى تآكل المعايير الأخلاقية الثابتة، ويعزز من الأنانية وعدم الاكتراث بالآخرين. الشاهد العملي على ذلك؛ هو انتشار ثقافة “كل شيء عادي وصحيح” في المجتمعات الحديثة، حيث تُعتبر القيم الأخلاقية مرنة وقابلة للتفاوض. في هذا السياق، يصبح الكذب والغش والغدر ونقض العهود مقبولًا طالما أنهما يؤديان إلى تحقيق مصالح الفرد.
لماذا تَخَلَّفْنا؟
إن الحضارة الإسلامية قد نجحت في إظهار حرية العقل والفكر. وكان دين الإسلام نفسه مَسؤولاً، ليس فقط عن إنشاء حضارة عالمية شارك فيها أُناس مِن خلفيات عرقية مختلفة، لكنه لَعِبَ دورًا رئيسيًا في تطوير الحياة الفكرية والثقافية على نطاق لم يسبق له مثيل من قبل. منذ حوالي ثمانمائة عام، كانت اللغة العربية هي اللغة الفكرية والعلمية الرئيسية في العالم. فلماذا تخلفنا الآن إذاً؟
في حِوار لي مع صديقة مُسلمة، كانت ابنتها قد رسبت في امتحان الثانوية العامة، البنت معروفة بإهمالها في الدراسة وعدم جِديتها، وكان ذلك تزامنا مع مرض أُم صديقتي الشديد، وكانت صديقتي بِحُكم عَمِلها لا تستطيع البقاء مَع والدتها في المَنزل لرعاية شؤونها، وكان رسوب البنت يستدعي إعادة دراسة مناهج السنة الدراسية من المنزل، فكانت فرصة لأن تكون برفقة جدتها هذه المدة، حيث أنه لن يتسنَّى لها الالتحاق بالجامعة هذا العام.
كنت قد تفاجأت أن صديقتي بدأت تُحدث الناس بأن الله قد تسبب في رسوب ابنتها، لتتمكن من الجلوس مع أُمها ورعايتها.
قلت لها: عجيب! الله الذي قد تسبَّب في رسوب ابنتك، أم إهمالها في دراستها؟
قالت: أما رأيتِ هذا التيسير والتوقيت المناسب لرسوب ابنتي تزامناً مع مرض أُمي؟
قلت لها: “ولا يَظلِم رَبُّك أحدا”، الله لن يَظلِم ابنتكِ ليوفِّر سُبل الراحة لكِ، الله علِم بعلمه المسبق أنّ ابنتك مُهملة ولن تنجح في الاختبار، لكنه لم يجبرها على الرُّسوب، ولو كانت ابنتك متفوقة لَهيأ الله أسباباً أخرى لرعاية أُمّكِ.
وتذكرت حينها قصّةً مِن القصص التي رَوتها لي أُمي عند صِغري، ولا أدري ما مصدرها، ولكن فيها كثيراً من الحقيقة .
والقصة تقول:
أنه في بلاد الأندلس، عندما كانت البلاد تحت حُكم الإسلام، وأراد أحد الحكام الظلمة أن يحتلها، قد أرسل جاسوساً إليها ليأتيه بأخبار الجيوش ومدى استعدادهم، فما أن دخل بلاد الاندلس، وَجد طفلاً صغيراً في طرف المدينة، يجلس تحت شجرة ويبكي، لأنه تَعوَّد على أن يَضربَ عصفورين بسهمٍ واحد، واليوم لم يستطع أن يَضرِب إلا عصفوراً واحداً بِسهمٍ واحد، وكان قد اعتبر هذا الإخفاق بسبب ذنبٍ قد اقترفَه، فقال الجاسوس في نفسه: إذا كان هؤلاء هم أطفالهم فكيف بِكبارهم، فرجع من طرف المدينة إلي الحاكم وقال له: لا طاقه لكَ بهؤلاء، ولكن انتظر حتى تدخل عليهم المعاصي والذنوب لِتتمكن من دخول تِلك البِلاد.
“..,إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا” (آل عمران: 155)
الشاهد هنا، أنَّنا لا نتخلَّف بالمعاصي فقط، ولكن نتخلف أيضاً بعدم اعترافنا بتقصيرنا وذنوبنا. فالانتصار على الأعداء والنجاح في الحياة، لا بُد أن يَسبِقه الانتصار على النفس، ومجاهَدتها على: تقوية الإيمان، البعد عن العصيان، حُسن الظنَ بالله، الأخذ بالأسباب، الاعتراف بالذَّنب وتجديد التوبة دائماً، ليأتي النَّصر ويتحقّق المراد.
وقد يتخذ المسلم قراراً مدعياً حريته في التصرف والاختيار، ولكن في واقع الأمر هو مستعبد لنزواته ورغباته.
- وإن صلى المسلم وصام ولم يكترث بتطبيق العدل في أي موقف من مواقف حياته فهو لم يعرف ما هو الإسلام أصلاً.
معرفة الخالق ووهم الإبتلاء:
هناك نوع من البشر يضع نفسه في ابتلاء بقرار خاطئ قد اتخذه ثم يقول هذا من الله، وهذا ما أراده الله وكتبه علي، مع أنه في الواقع هناك فرق بين إرادة الله وبين إرادة الانسان والتي قد سمح الله بحدوثها. حيث ممكن أن يأخذ الانسان قرار ولا يسمح الله بحدوثه ليحمي بها هذا الشخص من قراره الخاطئ وتبعاته برحمته تعالى، وممكن أن يسمح بحدوثه ليتعلم هذا الشخص من تبعات هذا القرار.
لكن بالنهاية الله لا يظلم الانسان ولا يقوم بترسيب المجتهد في الاختبار، ولا بفسخ عقد قران بنت ليعذب البنت وهي بريئة، بل هو قرارها إذا كانت المبادرة منها وعليها أن تتحمل تبعات قرارها. ويكون قد وقع الابتلاء على الطرف الآخر وهو زوجها، بسبب سوء اختياره، أو ليتعلم درس من التجربة، أو لرفع درجته يوم الحساب والتي لن يحصل عليها إلا بهذا الابتلاء، لكن في النهاية يكون هذا كله بتقصيره في أعماله التي هي غير كافية لأن تصل به لهذه الدرجة العالية عند الخالق.
قد تكون بعض تصرفاتنا لا ترضي الخالق، لكن هذا لا يعني أنها أتت ضد إرادته، فهو من منحنا حرية الإختيار وأعطانا القوة اللازمة لتحقيق هذا الخيار. وأن إرادته هي التي شاءت ان تحفظ لنا هذه الحرية لأنها مناط التكليف والحساب.
الخير يأتي دائما من الله في حين أن الشر يأتي من أنفسنا. فالله يرسل الرياح وهو الذي يجعل الأنهار تتدفق. لكن نجد ان قائد السفينة الجشع ملأ مركبه بالناس والبضائع وحين غرقت لتهوره وعدم مبالاته ألقي باللوم على الخالق.
لقد جاء دين الإسلام لُيقيم العدل على الأرض.
وهو الدين الذي جاء به جميع أنبياء الله لجميع الأمم، والذي انحرفت عنه جميع ديانات الأرض التي قدس أتباعها أنبياءهم والصالحين منهم.
ولكن أي عدل؟
إنه العدل الذي يضع الأمور في نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه.
- إعطاء الخالق حقه بعبادته وحده، وشهادة أنه الواحد الأحد الذي ليس له شريك في الملك ولا ولد، و الإقرار بأن الخالق منزه عن أن يكون له ولد، ومنزه عن التجسد في صورة إنسان أو حيوان أو صنم.
- إعطاء البشر حقهم بالتواصل مع خالقهم مباشرة دون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط، والطلب عند الحاجة والشدائد من الخالق مباشرة، وليس من أي نبي بما فيهم نبي الله محمد أو لأحد من آل بيته.
- اعطاء رسل الخالق حقهم، جميعهم من آدم إلى محمد بما فيهم المسيح وموسى عليهم الصلاة والسلام، وذلك بالإيمان بهم واحترامهم واتباع رسالة آخر نبي فيهم وهو محمد عليه الصلاة والسلام.
- إقامة المساواة بين البشر وتخليص البشرية من التعصب العرقي المقيت. فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
- إطلاق الحريات، والسماح في اختيار الدين وممارسة شعائره،مع التأكيد على وجود دين واحد صحيح وهو دين التوحيد الخاص.
- الوفاء بالعهود. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
مرجع:
كتاب لماذا الدين ؟ رحلة من الذاكرة . فاتن صبري.
497total visits,2visits today