Articles

الفرق بين دين الله وعادات الشعوب

سَأَلني يَومًا زائرٌ ألماني، وَقَد كانَ واحدًا مِن ضِمن مَجموعَة كَبيرة مِن الألمان الذين يَستَمِعُون إلى تعريف بالإسلام كنت أُلقيه بنفسي عَليهم بِاللُّغة الألمانية، حيث قال: إذا كان الإسلام بهذه البَساطَة وَالمَنطِقِيّة كما تقولين، فلماذا يتسبب المسلمون بكل هذه المَشاكِل السّياسية؟

وَقد كان هذا السُّؤال أَمام المَجموعة، وَكان عَليّ أَن أتدارك المَوضوع حتى لا يُفسد هُجومَه هُدوء الحوار.

قُلت له فوراً:

أنا للعِلم سَوف أموت لِوحدي، وَسَوفَ أُبعث وَحدي، وَسَوف أَلقى الله وَحْدي، بِدون أَهلي وَمالي.

إنّني سَوف ألقى الله بِثلاثة أجوبة لثلاثة أسئلة وَهِي: مَن ربُّك، وَما دينك وَمَن رَسُولك؟ وَالله يَنتظر مِنّي الإِجابة، وهي: أن الله الخالق رَبيّ، وَديني هُو الإيمان بِه ِوَعِبادَتِه وَحدَه بِدون وَسيط، وَنَبِيّي مُحمد خاتم الرُّسل، وَباعتِرافي بِمُحمد خاتم الرُّسل، أَكون قَد آمنت بِجَميع الرُّسل الذين سَبَقوه، وَهذا فَرض وَواجِب عَلى كُلّ مُسلِم.

 آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ” (البقرة: 285)

قُلت للجميع: وَأنتم أَيضاً، وَكُلّ إِنسان عَلى وَجه الأرض، سَوْفَ يُقابِل الله وَحْدَه، وَالحَياة ُقَصيرة، والمَوتُ يُداهِمُنا فَجأة، مَتى سَوف نَتَعلّم كَيف نُفرّق بَين المَشاكل السِّياسية وَالدّين؟ أَما آن الأوان لِنَتَعلّم كَيف نُحدّد أولَوِياتَنا؟

فَهَدأ الرَجل وَصَفّقت المَجموعة.

قلتُ لهم جميعا بعد ذلك: أُريدُ أَن أَسألَكُم سُؤالاً. إِنه لَمِنَ المَعروف أنَّ كُل أُمَّة وَشعب مِن الشُّعوب لديهم عادات، تقاليد، أهواء وبِدَعْ.

قلتُ لهم مُسترسلة: شَخص بسيط مِثلي هُنا، أو آخر في الصّين، أو لديكم في ألمانيا أو في أمريكا الجنوبية أو أفريقيا مثلاً، كيف يَستطيع أن يُفرّق مَبدئيا بين دين الله البسيط، وتقاليد وبِدَعْ شعب المَكان الذي هو فيه، قبل قراءة أي كِتاب ديني؟

أخذوا يُحاولون التخمين، وَبَعد أن فشلوا بإعطائي الجواب الصحيح، قُلت لهم: كُلكم تَعرفون شيئاً يُدعى الفطرة السليمة، أو المنطق السليم، فكل ما هو مَنطقي مِن الله، وَكُلُّ ما هو مُعقًد من البَشَر، وضحكوا جميعاً بشدّة، ومنهم من صفَّق ثانيةً.

قُلتُ لهم: عَلى سَبيل المِثال، إذا أَخبرَكم رَجل دين مُسلم أو نَصراني أو هِندوسي أو من أي ديانة أخرى، أن للكون خالق، واحد أحد، ليس له شَريكٌ وَلا ولد، لا يَأتي إلى الأرضْ بِصورة إنسان أو حيوان، ولا حجر ولا صنم، وأَنَّه عَلينا أَن نَعبُده وَحدَهُ وَنَلجأ إليه وَحده بِالشدائد، فَهذا فِعلا دين الله، أَما إن أَخبَركم عالِم دين مُسلم أو نَصراني أو هِندوسي الخ، أنَّ الله يتجسد بأي صورَة، وَيجب أَن نَعبُده وَنلجأ إليه ِعَن طَريق أي شَخص أَو نَبِيّ أَو قِسّيس أَو قِدّيس، فهذا مِن البَشر، اتُركوه.

قُلت لهم: إنه يَكفي لأن تَذهبوا لِزيارة للهند مَثلاً، وَتقولوا بين الجَماهير، الخالق الإِله واحد، لَأجاب الجَميع وَبِصوت واحد، نعم نعم الخالقُ واحد. فَقُلتُ للمجموعة: وهذا فعلاً ما هو مَكتوب في كُتبهم.[2]

لَكِنّهم يَختلِفون وَيتعارَكون وَقد يُذبح بَعضهم البَعض، عَلى نقُطة أساسية وَهِي: الصُّورة وَالهَيئة التي يَأتي بِها الله إلى الأرض.

فالهِندي النَّصراني يَقول مَثلاً: الله واحد، لكنهُ يَتَجسّد في ثلاثة أقانيم (الآب، الابن والروح القدس).

والهِندي الهِندوسي منهم من يقول:

الخالق واحد لكنه يتجسد في الثالوث المقدس: الإله ” براهما” في صورة الخالق، والإله “فشنو” في صورة الحافظ، والإله ” سيفا” في صورة الهادم.

ومنهم من يقول: يأتي الخالق في صورة حيوان أو إنسان، أو صنم.

ونجد الملحد أو حتى البُوذي الذي يقدس شخص بوذا يلجؤون إلى القوة التي في السماء لنجدتهم عند تعرضهم لخوف شديد. وبذلك يكونون قد اعترفوا ضمنًا بوجود الخالق.

قُلت لهم: لو تفكرون مَلِياً لَوَجّدتُم أن جميع المَشاكل وَالفُروقات بَين طَوائف الدِّيانات وَالدِّيانات نَفسها، هي بسبب الوُسطاء التي يتخذُها البَشر بَينهم وَبَين خالِقهم، فَمثلاً طوائف الكاثوليكية وَطوائف البروتِستانت وَغيرها، وطوائف الهِندوسية، تختلف على كيفية التَّواصل مَعَ الخالق، وَلَيس عَلى مَفهوم وُجود الخالق نَفسَه، فَلو عَبدوا الله جَميعَهم مُباشرة لتوحدوا.

“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”. (آل عمران:64)

قُلتُ لَهم أيضًا: إضافةً إلى ذلك، يَجب أَن تَعرِفوا أَنَّ دين الله واضح وَمَنطقي، وَلا ألغاز فيه. فأنا هُنا إن أردت أُن أُقنعكم بِأَنَّ مُحمداَ إلهاً عَليكم عبادته، فَعليّ أَن أبذل مَجهوداً كبيراً لِكيْ أُقنعكم بهذا، وَلن تقتنعوا أبداً، لأنكم قد تسألوني: كَيف يَكون مُحمدٌ إلهاً، وَقَد كان يأكل وَيَشرب مِثلنا؟ وَقد يَنتهي بيَ المَطاف لأقول لَكم: أنتم لمْ تقتنعوا، لأنه لُغز وَمَفهوم ٌغامض، سَوفَ تَفهموه عِند لِقاء الله. وَهذا المِثال يُبَرهِن على  أَنَّ دينِ الله الصَّحيح لا بُدَّ أَن يَكون خالي مِن الألغاز، وَالألغاز لا تأتي إلا مِن البَشر.

قُلتُ لَهم مُسترسلة: دين الله أيضاً مَجاني، فَالجميع لَديهِ الحُرّية في الصلاة وَالتَّعبد في بُيوت الله، دون الحاجة لدفع اشتراكات للحُصول عَلى عُضوية للتَّعبد فيها، أمَّا إن كان فُرِض عَليّ أَن أُسجل وَأدفع النُقود في أيٍّ مِن دور العِبادة للتَّعبد، فَهذا مِن البَشر.

أمّا إن أخبرني رَجل الدّين أَنّ عَليّ أن أُخرج صَدَقةً لِمساعدة النّاس مُباشرة فهذا مِن دين الله.

والناس سواسية كأسنان المشط الواحد في دين الله، فإنه لا فَرقَ بين عَربيٍّ وَلا أَعجميٍّ وَلا أبيضٍ وَلا أسودٍ إلا بِالتَّقوى. فَلو أخبروكم أَنَّ هذا المَسجِد أَو الكَنيسة أَو المَعبد للأبيض فقط والأسود له مَكان مُنفصل، فهذا مِن البَشر.

قُلتُ لهم: تَكريم المَرأة وَالرَّفع مِن شَأنِها هو أمرٌ مِن الله، لكنَّ قَمع المَرأة مِن البشر.

فَسَأل أحدُهم: فَلِماذا المَرأة المُسلمة مُقمعة إذاً في بعض البلدان؟

إذا افترضنا جدلاً أن المَرأة المُسلمة مُقمَعة في بعض البلدان، فالهِندوسية أيضًا مُقمَعة والبُوذية والنَصرانية في نفس البلد، هذه ثقافة شُعوب، وليس لها عِلاقة بدين الله الصَّحيح في شيء.

قُلت لهم مُعَقبةً: دين الله الصَّحيح دائماَ في تَوافق وَتَناغم مَع الفَطرة، فمَثلاَ، أيّ مُدخن للسِّيجار أو شارب للخمر، يَطلُب مِن أَولاده دائماً الابتعاد عَن شُرب الخمر والتدخين، لِقناعته العَميقة بِخطرِهِما على الصِّحة والمُجتمع.

فعندما يُحَرِّم الدّين الخَمْر مَثلاً، فَهذا فِعلا أَمرٌ مِن أَوامِر الله، لكن إذا جاء الدّين ليُحَرِّم الحَليب مَثلا، فَليس فيه مَنطق، فَالجميع يَعلم أنَّ الحليب مُفيد للصحة. إن رحمة الله ولطفَه في خَلقِهِ سَمَحَ لَنا بِأكل الطَّيبات، وَنَهانا عَن أكل الخبائِث.

غِطاء الرأس للمَرأة، والاحتشام للرِّجال وَالنساء مَثلاً أمرٌ مِن الله، لَكن تَفاصيل الألوان وَالتَّصاميم مِن البَشر. فالمرأة الصِّينية الرِّيفية المُلحدة وَالريفيّة النَّصرانية السّويسرية تلتزم بغِطاء الرأس، على أساس أنَّ الاحتشام شيئاً فطرياً.

فَهكذا نَستطيع أَن نُفرِّق بين الحَقّ وَالباطِل قَبل أَن نَقرأ أَي كِتاب ديني.

الإرهاب مثلاَ، مُنتشر بِأشكال كَثيرة في العالم بين طَوائف جَميع الدِّيانات، وَقد عِشت في أفريقيا لفترة طويلة وأعلم أنّ هناك طَوائف نَصرانية، تقتل وَتُمارِس أَبشع أَنواع القَمْع وَالعُنْف باسم الدين، وباسم الله، وَهُم يُشكِّلون 4% مِن تِعداد نَصارى العالم. بينما مَن يُمارِس الإرهاب باسم الإسلام، يُشكِّلون 01, 0% مِن تِعداد المُسلمين. وَلا يَقتصر الإرهاب على هذا، بَل هُو مُنتشر أيضاً بين طَوائف البُوذية والهِندوسية وَغيرِها مِن الدِّيانات الأُخرى.

لَكن تَسليط الضَّوء بِوسائِل الإعلام عَلى الأمثلة السَّيئة مِن المُسلمين، وَالجيِّدة مِن غَير المُسلمين، وَإلقاء لَقب إرهابي عَلى المُسلم الذي يَقتل غَيره، وَلقب مَريضاً نفسياً على غير المُسلم الذي يَقتل الغير، هذا ما لا نَقبُله أبداً.

وَهذا ما قُلته لصَحفي فَرنسي أثناء حِواري مَعَهُ بِهذا الخُصوص، قُلت لَه: أَنتم في الإعلام تَلعبون دوراً خطيراً في تشويه صورة الإسلام مِن خِلال حِرصِكُم المُتواصل عَلى نَقْل أخبار هذه الأمثلة السَّيئة مِن المُسلِمين.

فَقال: عُذراً، نَحن لا نَنقُل إلاّ الحَقيقة وَلا نَنقُل الأخبار الزائِفة.

قلت له: أنا لا أدّعي أَنَّ أخبارَكُم زائِفة، أنا أَقول: إنَّكم حين تُخصِّصون زاويةً في مَجلاتكم الإخبارية للحَديث عَن الأمثلة السَّيئة مِن المُسلمين، عَليكم أَيضاً أَن تُخصِّصوا زاويةً أُخرى لِلحديث عَن غَيرِهم، وَعِندما تُلقِّبوا القاتِل المُسلم بِالإرهابي، فَعَليكم أَن تُلقِّبوا القاتِل غَير المُسلم بِالإرهابي أيضاً.

قال: كَلامُكِ فيه كَثيرٌ مِن الصِّحة.

كلمة أخيرة:

الدَين الصحيح هُو: الإيمان بِأَنَّ لِلكَوْنِ خالِقٌ واحِد، وَهُوَ الواحِد الأَحد، وَدينُ الله يَجبْ أَن يَكونَ واحدْ، سَهْل، مَفهوم وبَسيط، مُوافِق للفِطرة البَشرِية، وَصالح لِكُلّ زَمانٍ وَمَكان. وَهو:

الوحدانية: الإيمان بِأنْ لا إِلهَ إِلاّ الله وَحدهُ لا شَريكَ لَهُ وَلا وَلدْ، وَأنَّه هُو الخالِقُ وَالرّازِقُ لِلكَوْن كُلُّه ُوَما يَحْتويه.

العُبودِية: عِبادة الله وَحدَه، وَعَدم الاشْراك في عِبادته أحداً أو شيئاً آخر.

الإيمان بِالرسل: اتباع الرُّسل وَالإيمان بِما جاؤوا بِهِ (في تِلكَ الفَترة). (البِّشارة بِقُدوم الَّنبِيِّ مُحمَّد، وَالحَثّ عَلى إتِّباعِهِ وَالإيمان بِهِ لِمَن سَمِعَ عَنْه).[3]

الأخلاق: فِعلِ الخَيرات وَاجتناب السيئات. .

والذي يستحق المكافأة من سلك هذا الطريق، والعقاب لمن حاد عنه، ويتمثل ذلك في الدار الآخرة في نعيم الجنة وعذاب النار.

“قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. (الأنعام: 161)


مرجع:

كتاب لماذا الدين؟ رحلة من الذاكرة

فاتن صبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page