Articles

يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ

This image has an empty alt attribute; its file name is discussion-1024x867.jpg

الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ:

لطالما كنت في صغري على اهتمام بمعرفة الدين الصحيح، حيث كانت أمي في ذلك الوقت حريصة على متابعة البرامج الدينية وكنت أسالها دوماً عن هذا الموضوع، وقد ولدت في دولة الكويت، وكمجتمع يستقبل الوافدين من دول مختلفة، كان يحتوي على ديانات وثقافات مختلفة، ودائما ما كنت أتعجب من إصرار أتباع كل ديانة على التصريح أنهم على الدين الحق، وكنت أقول لنفسي: دين الحق يجب أن يكون دينا واحد، فما هو هذا الدين؟ لماذا الإسلام هو دين الحق؟ ومع كثرة طرح هذا السؤال على أمي وأنا في المرحلة الابتدائية في الدراسة، قالت لي: اقرأي وابحثي وسترين بنفسك أن دين الحق هو الذي يوفر لك العلاقة المباشرة مع خالقك. وعكفت على القراءة مع صغر عمري، وقبل أن أصل لمرحلة الثانوية كانت الصورة لدي واضحة جلية عن التوحيد، وشعرت بطاقة عظيمة لأُحدِّث العالم عن هذا الكنز العظيم، وأخذت أردد الآية الكريمة:” الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ”[1]، وسُررت كثيراً.

وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:

في حوار لي مع ثلاثة صحفيين من الجنسية الهندية، والذين جاءوا حسب مع فهمت بحملة تبشيرية للنصرانية، قال: أحدهم: المسيح هو الله.

قلت له: ما دليلك؟

قال: لقد قال المسيح في كتبنا: إنه كائن قبل إبراهيم.

قلت له: وهل هكذا يُعرِّف الإله عن نفسه، بأن يقول أنا كنت قبل فلان؟

“إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ”[2].

قلت له مستطردة: كيف عَرَّف الله عن نفسه لموسى في كتابكم؟ ألم يقل يا موسى إنني أنا الله فاعبدني.

شعرت حينها بارتباك شديد على وجهه، فتدخل زميله وقال: قال المسيح: أنا والإله واحد؟

قلت له: وقال أيضاً أنا والحواريين واحد، والله والمسيح والحواريين واحد، وأعيد وأكرر هل هذه طريقة تعريف الإله عن نفسه؟ أنت عندما تأتي لزيارتي للمنزل مثلاً لطلب المعونة في أمرٍ ما، وأكون أنا غير موجودة، فيقول لك ابني: أنا وأمي واحد، كيف أستطيع مساعدتك؟

قال: برهان الثالوث أن الله في الأزل وقبل خلقه للكون، لو كان واحداً فقط، لتعطلت صفاته، فكان يجب أن يكون ثلاثة، ليرحم ويرزق ويتفاعل من خلال الثلاثة الذين في داخله.

قلت له وقد أثار تعليقه غضبا شديدا في نفسي: أنا مثلاً أحمل صفة “مُتحدثة جيدة”، وعندما أقرر أن أصمت ولا أتحدث الآن، هل تتعطل هذه الصفة عندي؟

قال أحدهم: أنت لست مُتحدثة جيدة فقط، بل وطاقة في بديهية الإجابة.

قال مستطرداً: من هو محمد؟

قلت له: هو من نسل إسماعيل.

قال: لكن إسماعيل ابناً ليس شرعياً لإبراهيم.

قلت له: ومن قال هذا؟

“فأخذت سارة امرأة إبراهيم هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة إبراهيم في أرض كنعان وأعطتها لإبراهيم زوجة له”[3].

وتشير هذه الفقرة في العهد القديم أن هاجر كانت زوجة شرعية لإبراهيم.

وكلمة إسماعيل تعني ” الله يسمع”، حيث استجاب الله لدعاء إبراهيم بأن يرزقه الولد، وقد اختار الله هذا الاسم لإسماعيل، كما لم يرد مُطلقا في العهد القديم أن إسماعيل كان ابناً غير شرعياً.

“وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنا، وتدعين اسمه اسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلّتك” [4].

وتعهد الله بأن يبارك إسماعيل ويُخرج من نسله أمة كبيرة.

“وأما اسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً، يلد وأجعله أمة كبيرة “[5].

قال: أرجوك أعطيني المراجع لأتأكد بنفسي.

قال بعدها: الله في كتابكم يغير رأيه، فتارة يقول: لا إكراه في الدين، وتارة يقول: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أتنكرون وجود الناسخ والمنسوخ لديكم؟

وقد تعجبت كثيراً من فصاحة نطقه لهذين المصطلحين باللغة العربية مع أن الحوار كان باللغة الإنجليزية.

قلت له: لا يوجد نسخ بين هاتين الآيتين، فالآية الأولى موضوعها مختلف تماماً، إذ إنها تقرر مبدأً إسلاميًّا عظيماً، وهو منع الإكراه على الدين؛ في حين أن الآية الثانية موضوعها خاص، يتعلق باللذين يصدون عن سبيل الله، والمانعين لغيرهم من قبول دعوة الإسلام، فلا تعارض حقيقي بين الآيتين.

لكن في كل الأحوال فإن تطور أحكام التشريع، ووقف العمل بحكم سابق، وإحلال حكم آخر لاحق، وتقييد المطلق، وإطلاق المقيد، أمر معهود ومألوف في الشرائع السابقة ومنذ عهد آدم. كما كان تزويج الأخ بالأخت مصلحة في شريعة آدم عليه السلام، ثم صار مفسدة في سائر الشرائع؛ وكذلك إباحة العمل يوم السبت، كان مصلحة في شريعة إبراهيم عليه السلام، ومن قبله وفي سائر الشرائع، ثم صار مفسدة في شريعة موسى عليه السلام، وقد أمر الله سبحانه بني إسرائيل قتل أنفسهم بعد عبادتهم العجل، ثم رفع هذا الحكم عنهم بعد ذلك، وغيرها الكثير من الأمثلة، فاستبدال حكم بحكم آخر وأرد في نفس الشريعة أو بين شريعة وشريعة أخرى.

قلت له أيضاً: الطبيب الذي يبدأ بعلاج مريضه بدواء معين ومع الوقت يزيد في جرعة الدواء أو يقللها كتدرج في علاج مريضه، يُعتبر بالنسبة لك حكيم.

قلت له مستطردة: وإني لأعجب من سؤالك جداً، وقد رحَّبتم بالنسخ الذي قام به القديس بولص والذي لم يكن في حكمِ واحدٍ من الأحكام فقط، بل بَدَّل ديناً بأسره، من التوحيد إلى التثليث، وجعلكم تنقضون عهد الله الأبدي معكم بالالتزام بالختان كما هو مذكوراً في كتبكم.

قال: أنتم تزعمون أن الله حمى المسيح من الصلب والقتل، فلماذا لم يحمِ محمداً من القتل عندما مات مسموماً بسُم اليهودية.

قلت له: لقد حمى الله الرسول الكريم من سم اليهودية عندما أُخبِر أن الشاة مسمومة، ولم يَمُت بهذا السم، وعاش بعدها قرابة الأربع سنوات مكملاً رسالته وفتوحاته العظيمة، وقد حماه الله حتى لحظة وفاته، وكون هذه الوفاة كانت بتأثير السم لاحقاً أو بغيره، هذا لا يجعل اليهود قد انتصروا عليه بقتله لمنعه من إتمام المهمة التي بُعث من أجلها، بل كان موت النبي صلى الله عليه وسلم بقدرٍ من الله بعدما بلغ الرسالة، وعليه فالقصة لا تقدح في عصمته.

قال أحدهم: إنني أرى وإن كان القرآن على درجة عالية من النظام والدقة، لكن الحروف المقطعة والغير مفهومة فيه، دليل على نقص وعيب؟

قلت له: إنك كمن يرى مبني شاهق على درجة عالية من النظام والدقّة، ثمّ يرى في إحدى زواياه تصاميم يُتصوّر أنها زائدة ولا فائدة منها، فيقول: كوني لم أفهمها إذاً فهي عيب في المبنى، وهل مقدار فهمك واستيعابك للأمور مقياس على جودتها من عدمها؟ والأحرى أن تقول: إن من أنشأ هذا المبنى بكلّ هذه العظمة والدقّة والنظم المتقن لا يمكن أن يغفل عن هذه الأشياء، لا بدّ أنّه قد وضعها هنا لحكمة معيّنة لا ينفي وجودها جهلي أنا بها، والغريب أنه لم يعترض أحد في زمن نزول القرآن على هذه الأحرف، بل ودائماً ما كانوا يثنون على إعجازه وتفرده حتى من أعدائه.

قال: ولماذا نزل القرآن باللغة العربية؟

قلت له: وبأي لغة كنت ترغب بأن ينزل، لديكم في الهند آلاف اللغات واللهجات، فإي لغة كنت تفضل؟ ولو كان نزل بواحدة من هذه اللغات لقلت لماذا ليس بالأخرى.

قلت له مستطردة: ان الله يرسل الرسول بلسان قومه، والله تعالى اختار رسوله محمد ليكون خاتم الرسل، وكانت لغة القرآن بلسان قومه، وحفظه من التحريف إلى يوم الدين، وكذلك اختار مثلاً الآرامية لكتاب المسيح.

قال: ما قصة جمع القرآن أيام أبي بكر للقرآن وحرقه في عهد عثمان؟

قلت له: ترك الرسول القرآن موثق ومدون بأيدي الصحابة لتلاوته وتعليمه للآخرين، وحينما تولى أبى بكر -رضى الله عنه – الخلافة أمر بجمع هذه الصحف لتكون في مكان واحد ويمكن الرجوع إليها. وأما في عهد عثمان فقد أمر بحرق النسخ والصحف التي كانت بأيدي الصحابة في الأمصار وأرسل إليهم نسخ جديدة مطابقة للنسخة الأصلية والتي تركها الرسول الكريم والتي جمعها أبو بكر. وذلك ليضمن أن جميع الأمصار ترجع إلى نفس النسخة الأصلية والوحيدة التي تركها الرسول.

وبقي القرآن على ما هو عليه دون أي تغير أو تبديل، وكان دوما ملازماً للمسلمين على مر العصور ويتداولونه بينهم ويتلونه في الصلوات.

قال: يقول القرآن:

“إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”[6].

الله خلق السماوات والأرض هنا في ستة أيام، وخلقها في ستة أيام ليُعلم عباده عدم العجلة وأن يتدبروا الأمور، وهذا مفهوم.

ويقول هنا:

  قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ”[7].

أما هنا فقد خلق الله الأرض في يومين، ثم جعل فيها الرواسي، وتقدير الأقوات في أربعة أيام، فيصير المجموع ستة، ثم خلق السماوات في يومين، وبهذا يكون المجموع ثمانية أيام، أليس هذا تناقض في القرآن؟

قلت له: إن قلت لك أنني سافرت من باريس إلى لندن في عشرة أيام، وإلى شيكاغو في خمسة عشر يوما، فهذا يعني أنني أتممت رحلتي في خمسة عشر يوماً، وهذا هو المقصود في الآية الكريمة.

قال بعدها: أنتم المسلمون تعيشون فُرقة كبيرة، لأنه ليس لكم قيادة دينية كالفاتيكان تحكمكم؟

قلت له: وكيف نفعت الفاتيكان النصرانية، هل استطاعت الفاتيكان توحيد طوائف النصرانية، إن الفُرقة بازدياد.

قال زميله: سوف نغادر الآن ولكن لنا لقاءات قادمة.

مَنْ يُجَادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:

فاجأني يوما أحد مدرسي اللغات في أفريقيا، حين سألني في الفصل وأنا المسلمة الوحيدة بينهم حيث قال:

تصلون خمس مرات باليوم؟ وتصلون في الخامسة صباحاً؟ أليس هذا غريبٌ عجيب؟

وقد كان عندي علمٌ مسبق أن هذا الأستاذ يعمل بنظام العمل الجزئي، أي أنه إن أعطى الدرس يأخذ أجراً، وأن لم يعط الدرس لا يأخذ أجراً.

فقلت له – بناءً على علمي المسبق بهذه المعلومة-: إن كان هذا الدرس في الخامسة صباحاً، كنت ستعطيه أم تبقي نائماً؟

قال: طبعاً سأعطيه، فهذا رزقي ورزق أولادي.

قلت له: والصلاة رزقنا وهي بالنسبة لنا أعظم من ملايين الدولارات.

قلت له: كم مرة تخاطبك زوجتك عبر الهاتف في اليوم؟

قال ضاحكاً: تكاد لا تتوقف عن المكالمات.

قلت له: وهل تستنكر علينا أن نخاطب ربنا خمس مرات باليوم؟

قال: ولماذا الصلاة؟

قلت له: أنا أقوم للصلاة في الخامسة صباحاً يومياً، وتقوم صديقاتي الغير مسلمات لممارسة رياضة الصباح في نفس الوقت تماماً، فصلاتي بالنسبة لي غذاء جسدي وروحي، والرياضة بالنسبة لهم غذاء جسدي فقط.

انظر كم نعتني بأجسادنا والروح تتضور من الجوع، والنتيجة حالات انتحار لا تعد ولا تحصى لأكثر الناس رفاهية في العالم. تؤدي العبادات إلى إلغاء الإحساس الموجود في مركز الشعور في الدماغ، والخاص بالشعور بالذات وبالشعور بمن حولنا، فيستشعر الإنسان قدرًا كبيرًا من التسامي، وهذا إحساس لن تفهمه إلا إذا جربته.

قلت له أيضاً: تُحرك العبادات مراكز الشعور في المخ، فتتحول العقيدة من معلومات نظرية وطقوس إلى تجارب شعورية ذاتية. هل يكتفي الأب عند عودة ابنه من السفر بالترحيب اللفظي؟ إنه لا يهدأ له بال حتى يحتضنه ويقبله. إن للعقل رغبة فطرية في تجسيد معتقداتنا وأفكارنا في صورة حسية، فجاءت العبادات إشباعًا لهذه الرغبة، فالعبودية والطاعة تتجسد في الصلاة والصوم، وهكذا.

د. أندرو نيوبرج[8] يقول: ” إن للعبادات دور كبير في تحسين الصحة الجسدية والعقلية والنفسية، ولتحقيق السكينة والسمو الروحي، كذلك فإن التوجه إلى الخالق يؤدى إلى المزيد من السكينة والسمو”.  

قال: معك حق، ونحن للأسف دائماً في الأسفل نلهث وراء ملذاتنا الدنيوية.

وفي حواري مع أحد المسلمين الذي قلل من أهمية الصلاة والدعاء، حيث قال: إن مفهوم الدعاء يناقض السنن الإلهية والقوانين الطبيعية، ويجب تنزيه الإله عن تبديل كلماته وتعديل قضائه.

قلت له: إن حقيقة القوانين الطبيعية يقرها الدين والعلم، وحقيقة وجود الإله لا تكفي وحدها أو تغني عن الرغبة في الاتصال به، ووجود هذه القوانين لا يعني عدم تواصل الإله مع خلقه، ولا تقول إن التواصل معه والانقطاع عنه سواء.

“اوليفر لودج ” وهو من أشهر علماء الطبيعة يرد على القائلين بمخالفة الدعاء للسنن الكونية فيقول: ” إنهم يحكمون على الصلاة حكمهم على ظاهرة طبيعية خارجة عن حدود الكون، ولكنها في الواقع ظاهرة كونية يحسب حسابها في أعمال الكون كما يحسب حسابها في سائر الحوادث التي تقع في حياتنا بغير صلاة. وإذا كانت الصلاة تربية نفسية فلماذا يحسب المعترضون أن هذه التربية ليست سبباً لتحقيق بعض الحوادث كما تسببها كل تربية يتم بها استعداد الإنسان لغاية من الغايات؟”.

قال: إنه لا فرق بين صلاة الإنسان لنفسه أو صلاته لغيره أو لربه.

قلت له: فاقد الشيء لا يعطيه، كيف أطلب من غيري العون وهو لا يستطيع إعانة نفسه، والطلب من الله عز ومن غيره مذلة.  هل يُعقل أن تُساوي بين الملك وعامة شعبه بالطلب، فالعقل والمنطق يدحض هذه الفكرة تماماً.

قال: الطلب إما أن يكون موافقاً للإرادة الإلهية فهو محقق بغير طلب، وإما أن يكون مخالفاً للإرادة الإلهية فلا معنى لطلبه.

قلت له: إن إرادة الله متمثلة في خلقه لطبيعة الإنسان، وإن من طبيعة الإنسان طلب الغوث عند الحاجة إليه، وإن طلبه من غير الله عبث مع الإيمان بوجود الإله القادر على كل شيء.

قال: إن النواميس الكونية مسألة قديمة حصلت وفرغ الأمر منها.

قلت له مستطردة: إن جرس القطار يدق قبل وصوله وليس هو سبب الوصول، وأن ضوء القذيفة يرى عند انفجارها قبل سماع صوتها ولا علاقة بين سبب الرؤية أو السماع. إن قوانين الكون لم تُحصَر جميع عواملها، وأن الحصر الذي وصلنا إليه قد يُعين على تقدير الحوادث المترتبة عليها بالإجمال، ولا يصلح التقدير إلا بالتقريب. ومع فتح المجال للعلماء لدراسة الكون الذي لا تحصره ضوابط القوانين، يبقى الله تعالى فعّال لما يريد، والخلق عملية مستمرة وليس بالعملية الآلية التي فرغت منها العناية الإلهية، وتركتها هملاً بغير تبديل. وسنة الله لا تبديل لها حقاً ولكننا لا نعلم من سنة الله إلا ما نهتدي إليه بعقولنا وهداية الله، وقد تكون سنة الله في نصيب الإنسان موقوفة على تربية نفسية عن طريق الصلاة، وقد تكون هذه التربية النفسية سبباً مشروطاً للسنة الإلهية لا يجوز للمؤمن تعطيله.

إن الصلاة عند الموحدين من علامات التقدم الإنساني في فهم حقائق الكون، وفهم الصفات الإلهية، والتواصل مع مصدر كل خير، ولم تُعرف عند المشركين بهذا الشكل، فقد جعلوا صلاتهم من قبيل المساومة، حينما اعتقدوا أن آلهتهم بحاجة إلى قرابينهم. ولا قوام لدين بغير الإيمان بالصلاة على معنى الطلب والدعاء، مع الإيمان برياضتها الروحية وصلتها الوثيقة التي تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتجعل وجود الإله حقيقة أعلى من حقيقة النواميس أو حقيقة الحوادث الكونية التي تهم الإنسان في مطالب معيشته، كما تهمه في مطالب ضميره[9].

وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ:

أذكر أنني قد دُهشت جداً، من قصة إسلام زميلة فلبينية لي في العمل، عندما قالت لي: إن حيوان الخنزير كان سبباً في إسلامها.

قلت لها: وكيف ذلك؟

قالت: أنا كنت أعرف جيداً أن هذا الحيوان قذر جداً، ويسبب أمراضاً كثيرة للجسم، ولم أطق هذا الحيوان في حياتي أبداً، وكنت أكره المسلمين بشدة فقط لاعتقادي أن لحم الخنزير مُحَّرم في كتابهم لتقديسهم له، وأنهم يعبدونه، إلى أن أدركت لاحقاً عندما تركتُ الفلبين وعشت في بلد عربي، أن لحم الخنزير مُحرَّم عند المسلمين لأنه حيوان قذر ولحمه ضار بالصحة، أدركت حينها عظمة هذا الدين، ودأبت من ذلك الوقت على القراءة والبحث عن هذه الجوهرة المكنونة.

وأذكر في حوار لي مع برازيلي مهتم جداً بعقيدة التوحيد، لكن كان موضوع تناول لحوم الحيوان قد منعه من اعتناق الإسلام، حيث أنه نباتي، وظن أن باعتناقه الإسلام سوف يُجبر على تناول اللحوم.

قلت له: فكرة أن تناول اللحوم الحمراء أو البيضاء مسموحة في الإسلام، لا تعني أنك مُجبر على تناولها.

قال: ولماذا سُمِح بها أصلاً.

قلت له: اللحوم هي مصدر أساسي للبروتين، والانسان يملك أسنان مسطحة وأسنان مدببة وهذه الاسنان مناسبة ومهيأة لمضغ وطحن اللحوم. والله خلق للإنسان الأسنان صالحة لأكل النباتات والحيوانات وخلق الجهاز الهضمي صالح لهضم المأكولات النباتية والحيوانية، وهذا دليل على تحليل أكلها.

قال: أليست طريقة الذبح وحشية؟

قلت له: طريقة الذبح الإسلامي والتي هي قطع عنق الحيوان بسكين حاد، أرحم من الصعق والخنق، التي يتعذب بسببها الحيوان، فبمجرد انقطاع تدفق الدم إلى المخ فإن الحيوان لا يشعر بالألم، وانتفاضة الحيوان ليست بسبب الألم، بل بسبب تدفق الدم السريع. وهي تسهل خروج الدم كله إلى الخارج، عكس الطرق الأخرى التي تحبس الدم داخل جسد الحيوان مما يضر بصحة مُتناولي هذا اللحم.

قال: أليست هذه الحيوانات روح مثلنا؟

قلت له: هناك فرق، فروح الحيوان هي القوة المحركة للجسم، إذا فارقتها بالموت أصبحت جثثاً هامدة وهو نوع من الحياة، والنبات والأشجار لها نوع من الحياة أيضاً ولا يسمى روحاً، وإنما يسمى حياة تسري في أجزائه بالماء إذا فارقه ذبل وسقط.

“… وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” [10].

ولكنها ليست كروح الإنسان التي نُسبت إلى الله، لغرض التَّكريم والتَّشريف، ولا يعرف كنهها إلا الله ولا تخص إلا الإنسان، فروح الإنسان عبارة عن أمر إلهي ليس مطلوباً من الإنسان فهم جوهره، وهي عبارة عن اندماج القوة المحركة للجسم ومضاف إليها القوى المفكرة (العقل)، والإدراك والعلم والإيمان وهذا الذي ميزها عن روح الحيوانات.

فللإنسان طبيعة خارجية ظاهرة وهي الجسد، تتصف بكل صفات المادة، وهي قابلة للوزن والقياس، وطبيعة اخرى مخالفة تماما للأولى تتصف بالسكون واللازمان ولا مكان.

قال: إن هذه الطبيعة المفروض أن تكون حسب فهمي تابعة للجسد؟

قلت له: الجسد هو التابع لها، لأننا عندما نصوم في رمضان مثلاً، ما الذي يحثنا على الصبر والامتناع عن الأكل، فهذا بسبب دافع قوي داخل أنفسنا يدفعنا لاتخاذ هذا القرار.

قال: لماذا لا نشعر بها؟

قلت له: عندما نستعمل المصعد مثلاً، لا نشعر به أثناء حركته لأننا أصبحنا جزء منه، ولا يمكننا الشعور به إلا عندما يبدأ بالحركة أو عندما يتوقف.

قال: وما هي النفس؟

قلت له: النفس هي نتاج التقاء الروح بالجسد، يُعرَّف الإنسان فيها بروحه ووجدانه، وأحاسيسه ومدركاته، فهي ذاته، والتي تحمل قوى الخير والشر، والتي يرتكب بسببها الإنسان الذنوب أو يحرص على الطاعة.

قال: ما هو الإنسان؟

قلت له: الإنسان هو الشخصية البشرية بكليتها، لحماً ودماً وشخصية.

قال: وما الفرق بين المَلَك والجن والشيطان؟

قلت له: أما الملائكة: فهم خلق من خلق الله أيضاً ولكن خلق عظيم، خُلقوا من نور، مجبولون على الخير، مطيعون لأوامر الله سبحانه مسبحون عابدون لا يسأمون ولا يفترون.

“يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ”[11] .

“…لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ “[12].

والإيمان بهم مشترك بين المسلمين واليهود والنصارى، ومنهم جبريل الذي خصه الله بالوساطة بينه وبين رسله، فكان ينزل بالوحي إليهم، وميكائيل، ومهمته هي المطر والنبات، واسرافيل، ومهمته هي النفخ في الصور يوم القيامة، وغيرهم.

قلت له أيضاً: أما الجن فهو عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون بطاعة الله، ونُهوا عن معصيته، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، وقد خُلقوا من نار، وخُلق الإنسان من طين. وذكر الله قصصاً تُبين مدى قوة الجن وقدرتهم، من ذلك قدرتهم على التأثير بالوسوسة أو الإيحاء دون تدخل مادي، لكنهم لا يعلمون الغيب ولا يقدرون على إيذاء المؤمن القوي الإيمان.

“… وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ …”[13] .

والشيطان: هو كل عاتٍ متمرد سواء من الإنس أو الجن.

قال: أليست ذنوب الإنسان من الشيطان؟

قلت له: هناك نوعان من الذنوب، ذنوب النفس وذنوب تُرتكب بسبب وسوسة الشيطان.

قال: وأيهما أخطر على الإنسان؟ وكيف نستطيع التفريق بينهما؟

قلت له: النفس أخطر بكثير إن لم تُجاهَد كما يُفطم الطفل الصغير عن الرضاعة بالتدريج وبالترويض.

إن النفس الأمارة بالسوء هي النفس التي توسوس للإنسان وتدفعه لارتكاب المعاصي، وتلحُّ على معصية بعينها، كأن تخطط وتدبر لقتل إنسان، ولا يهدأ لها بال ولا تتراجع حتى تحقق هدفها المنشود.

وكذلك تزين النفس الفعل القبيح وتظهره حسنا، وتتمادى في طريق الإثم والعصيان، حتى تُطمر فطرتها السليمة وتفقد حينها القدرة على تمييز الصالح من الطالح، فتبدو لها السيئات كالحسنات، كما حدث مع أخوة نبي الله يوسف عليه السلام، حيث ألقوه في قاع الجبّ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

“قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ” [14].

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” [15].

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [16].

أما الشيطان، فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه ضعيف فقال: “إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا[17]، فكيد الشيطان ينحصر في حدود الأفعال التشريعية والتكليفية للإنسان بالوسوسة وإظهار الباطل في مظهر الحق، ولكنه ليس له سلطان على الإنسان.

“فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ”[18].

وجُلّ هم الشيطان أن يجعل الانسان عاصياً لله وحسب، أيّاً ما كانت تلك المعصية؛ ولذا فإن الشيطان يوسوس للإنسان في معاصي شتى، كأن يسرق، او أن يزني، أو يكذب أو يشرك أو يكفر وغيرها من الذنوب، وعندما يُغلق الإنسان باب معصية، يأتيه الشيطان من بابٍ آخر، وقد تكون وسوسة الشيطان للإنسان بتقمصه صفة الناصح والمحبّ.

“وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ”[19].

وينتصر الإنسان على الشيطان بالاستعاذة بالله وكثرة الذكر بالقلب واللسان.

“إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ”[20].

والشيطان يعلم ذلك ويعترف به، فيوم القيامة سيقول للمذنبين:

“وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم”[21].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “النفس قاطعة بين القلوب، وبين الوصول إلى الرب طريقًا، ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها، فالناس على قسمين، قسم ظفرت به نفسه فأهلكته، وقسم ظفروا بنفوسهم، فصارت منقادة لأوامرهم”.

وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.

النفس المطمئنة: هي التي اطمأنت بذكر الله، واشتاقت إلى لقائه، وهي التي يقال لها عند الوفاة: ” ارجِعِي إِلَى ربكِ راضِيةً مرضِيةً”

 وتخرج حينها من الشك إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرياء إلى الإخلاص.

النفس الأمارة بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بما تهواه، وهذا من طبيعتها إلا إن وفقها الله وثبتها وأعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله.

وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعيذ من شر النفس قائلاً: نعوذ بالله من شرور أنفسنا.

النفس اللوامة: وهي كثيرة اللوم لنفسها، وهي كثيرة التقلب، فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتسخط، وتغبط وتحسد.

قال الحسن البصري: “إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما. اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه، فإن كان مسيًئا على إساءته، وإن كان محسناً على تقصيره”.

قال: وما الفرق بين الغبطة والحسد؟

قلت له: الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما للغير من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره، ويجوز أن يسمى منافسة.

“….وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ” [22].

قلت له مستطردة: أما الحسد فهو تمنى زوال النعمة من الغير، والحسد مرض نفسي يؤذى الحاسد وضرره على الحاسد أكبر من ضرره على المحسود، وقد أمرنا الله تعالى أن نتحصن ونستعيذ به من شر الحاسد.

“…وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ…”[23].

قال: وما الفرق بين الشر الذي يأتي من الإنسان والشر الذي يأتي من الله.

قلت له: إن الشر لا يأتي من الله، إنّ الشرور ليست أموراً وجودية، فالوجود هو خير محض.

قال: وكيف ذلك؟

قلت له: إذا قام شخص مثلاً وضرب شخص آخر حتى أفقده القدرة على الحركة، فقد اكتسب صفة الظلم، والظلم شر.

لكن وجود القوّة لدى من يأخذ عصا ويضرب بها شخص آخر ليس شراً.

ووجود الإرادة التي أعطاها الله له ليس شراً.

ووجود قدرته على تحريك يده ليس شراً؟

ووجود صفة الضرب في العصا ليس شراً؟

إنّ كلّ هذه الأمور الوجودية هي خير، ولا تكتسب صفة الشرّ إلا إذا أدّت إلى الضرر بإساءة استخدامها، وهو الشلل كما في المثال السابق، وبناءً على هذا المثال فوجود العقرب والأفعى ليس شراً بعينه إلا إذا تعرض له الإنسان فلدغه، فالله تعالى لا يُنسب إليه الشر في أفعاله التي هي خير محض، بل في مفعولاته والتي نتجت عن الاستخدام الخاطئ لهذا الخير من قبل البشر.

قال: ومن خُلق عاجزاً؟

قلت له: قال لي شخصٌ مقعد يوماً وقد كان في الخمسين من عمره: أنا أدرك الآن حكمة إصابتي الجسيمة والتي أقعدتني عن الحركة، فقد كنت أنوي قبل إصابتي أن أتجه إلى الإلحاد، وكنت بعيداً جداً عن الله، وأنوي بإصرار الهجرة لكي أتمكن من هذا، وقد منعتني إصابتي من تنفيذ رغبتي، وأنا وبعد ثلاثون عاماً من الإصابة لأحمد الله عليها، وأراها من أكبر النعم التي انعم الله بها علي، والتي جعلتني أقرب إليه، وإني لعلى يقين أن نفسي من السوء ما تجعلني لا أعود إلى الله إلا بمثل هذا الابتلاء، فالله يعلم نفوس عباده حتى من قبل أن تُولد.

قلت للسائل مستطردة: بما أن الشر نسبي وليس مطلق، والحياة دار اختبار وليس جزاء، والجزاء على قدر العمل، فتكون الابتلاءات كمن يقطع المسافة الشاقة على أمل الوصول للمراد وللمحبوب.

قال: وما الدليل على البعث؟

قلت له: إن شواهد الوجود والظواهر تشير جميعها إلى أن هناك دوماً لإعادة البناء والخلق في الحياة من حولنا. والأمثلة كثيرة، كإحياء الأرض بعد موتها بالمطر وغيرها.

” يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ”[24].

وأيضاً الدليل الآخر على البعث هو النظام المحكم للكون الذي ليس فيه خلل، حتى الالكترون متناهي الصغر لا يستطيع أن يتنقل من فلك الى فلك آخر في الذرة إلا إذا أعطى أو أخذ مقدارا من الطاقة يساوي حركته، فكيف تتصور في هذا النظام أن يهرب القاتل أو يفر الظالم بدون حساب أو عقاب من رب العالمين.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾ فَتَعَالَى اللَّـهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [25].

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٢١﴾ وَخَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [26].

قلت له أيضاً: ألا تلاحظ أننا في هذه الحياة نفقد كثيراً من أقاربنا ومن أصدقائنا ونعلم أننا سوف نموت مثلهم يوما ما، لكننا نشعر في قرارة أنفسنا أننا سوف نعيش الى الأبد. لو كان جسم الإنسان مادي ضمن إطار حياة مادية ضمن القوانين المادية، لما كان هناك معنى لهذا الشعور الفطري بالحرية، الروح تعلو على الزمن وتتخطى الموت.

قال: وكيف يحييهم؟

قلت له: كما خلقهم أول مرة.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ”[27].

” أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾”[28].

فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّـهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[29].

قال: وكيف يحاسبهم في نفس الوقت؟

قلت له: كما يرزقهم في نفس الوقت.

وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ:

في حوار لي مع مجموعة كبيرة من فرنسيات يعملن في منظمة دولية، كنت قد واجهت صعوبة في التعامل مع ذوات الأصول العربية المسلمة منهن، ومع التجاوب الكبير من الفرنسيات غير المسلمات، وجدت العجب من المسلمات.

فكانت قد قاطعتني إحداهن وأنا أجيب على سؤال فرضية الحجاب في القرآن من سيدة غير مسلمة في المجموعة، وقالت بعصبية: الحجاب ليس فرض في الإسلام.

قلت لها: وهل تصلي الصلوات في أوقاتها.

قالت: لا، أنا لا أصلي.

قلت لها: إذاً معك حق، فالصلاة بالنسبة لك وفي حالتك أولى، ومتى بدأت الصلاة فتعالي وناقشيني في موضوع فرضية الحجاب، فشعرت بإحراج شديد.

قالت أخرى: ولكن المرأة تولد مكشوفة الرأس، فالأصل أن تكشف عن رأسها.

قلت لها: إذاً فهي يجب أن تخرج عارية الجسد تماماً بناءً على ذلك، فهي تولد بلا ملابس.

قالت: غطاء الرأس تخلف ورجوع إلى الوراء.

قلت لها: وهل يوجد وراء أبعد من زمن آدم؟ كشف الرأس هو الرجوع إلى الوراء بعينه، عودي إلى صور جدتك وهي في طريقها إلى المدرسة، وانظري ماذا كانت ترتدي؟ عندما ظهر مايوه السباحة لأول مرة، خرجت مظاهرات في أوروبا وأستراليا ضده لأنه مخالف للفطرة والعرف وليس لأسباب دينية، وعكفت شركات التصنيع على عمل إعلانات مكثفة باستخدام بنات في عمر الخمس سنوات لأن تظهر فيه في البداية لتشجع النساء على ارتدائه، وقد ظهرت أول طفلة تمشي به بخجل شديد، ولم تستطع الاستمرار في العرض. وقد كان النساء والرجال آنذاك يعومون بملابس سباحة تغطي كامل الجسد باللونين الأبيض والأسود.

قالت: وكيف عرفتِ ذلك؟

قلت له: قد درستها في دراستي الجامعية، حيث أنني عندما قررت ارتداء الحجاب في السنة النهائية للثانوية العامة على رغبة شديدة مني لأن اقتدي بالنساء المؤمنات على مر التاريخ واللاتي أخذن من الحجاب رمزاً لصلاحهن، مثل السيدة مريم أم المسيح وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، في ذلك الوقت أدركت أنه لا مجال لأن أجد في الأسواق ما هو جميل وأنيق للمحجبات، فقررت دراسة تصميم الأزياء من أجل هذا الغرض.

قلت لهن معقبة: ما الفرق بين حجاب الراهبة الكاثوليكية وحجاب المسلمة؟ إن نظرتن إليها من الخلف فلن تستطعن التفريق بينهما، حتى ترينهن من الأمام فتفرقون عن طريق ملاحظة وجود الصليب على صدر إحداهما من عدمه، وهذا هو الفرق الأساسي بين عقيدة المسلم والنصراني.

قالت إحداهن: لكن الراهبة متدينة، وهبت نفسها لله ولا تتزوج.

قلت لها: إذاً برأيك علينا أن نختار بين الزواج والتدين؟ أليس هذا ظلم في حق النفس وإجحاف عظيم لها، بأن نجعل النفس في صراع بين التوفيق بين الاحتياجات المادية والروحية، هذا قتل بطيء للنفس وعذاب أبدي في الدنيا والآخرة.

قالت: ولكن الحجاب ليس من الأمور الطبيعية لدينا.

قلت لها: سوف أروي لك قصة رمزية لحاكم قرية من القرى، عندما أصيب بمرض خطير، وقد قُطِع على أثره أنفه بناءً على طلب من طبيبه الخاص، وفي اليوم التالي لقطع أنفه، دخل الوزير على الملك فضحك اندهاشاً من منظر الملك، فغضب الملك، وأمر الطبيب أن يقطع أنف الوزير، وفي اليوم الثالث، ضحك الوزراء المساعدين مندهشين من منظر الوزير، فغضب الوزير، وأخبر الملك بالذي حدث فأمر الملك أن يقوم الطبيب بقطع أنوف الوزراء. وفي اليوم الرابع خرج الحاكم مع الوزير والوزراء المساعدين لحل بعض مشاكل الشعب، فضحك الشعب عليهم، وأمر الملك حينها أن يقوم الطبيب أيضاً بقطع أنوف جميع الشعب وأنوف من يولد من الأطفال، وأصبح سكان القرية كاملة بلا أنوف، وعندما جاء لاحقاً شخص طبيعي بأنف سليم من قرية أخرى لزيارة قريتهم، أشار الجميع إليه بالبنان وقالوا: هذا له أنف إنه ليس إنساناً طبيعياً.

وقد ضحكت المجموعة من القصة، وقالوا: نعم القصة فيها الكثير من الحقيقة.

وسألت أخرى: لماذا لا يُغطي الرجل لحيته كما تغطي المرأة شعرها؟ ولماذا اللباس الواجب ارتداؤه في الإسلام للرجل يختلف عنه عند المرأة، لماذا لا يُغطون أجسادهم بنفس الطريقة؟

قضحكت على سؤالها وقلت لها: عجيب! فلماذا ملابسك السباحة قطعتين إذاً، وملابس زوجك السباحة قطعة واحدة؟ وحينها ضحكت المجموعة.

قلت لها أيضاً: المرأة تغطي شعرها لدرء الفتنة، هل سمعت عن قصة اغتصاب امرأة لرجل في حياتك قط؟ تخرج النساء في بلدانكم في مظاهرات مطالبة بحقوقها في الحياة الآمنة بدون تحرش ولا اغتصاب، ولم نسمع عن مظاهرات مشابهة قام بها الرجال.

فقالت إحداهن مستهزئة: ولماذا لا يمكن أن تكون امرأة نبياً مُرسلا؟

قلت لها: أو ترغبين أن تكوني نبياً مُرسلا؟

قالت: ولم لا؟

قلت لها: ما دام إيمانك بهذه القوة، وعندك من قوة التحمل والجلد والعزيمة، إذاَ ادعي الله أن يجعلك نبياً مرسلاً، فضحكت المجموعة.

قالت إحداهن: وما الفرق بين المنقبة والمحجبة؟

قلت لها بناءً على علمي المسبق بتعلقهم الشديد بالسيدة مريم: المحجبة اقتديت بالنساء المؤمنات على مر التاريخ واللاتي أخذن من الحجاب رمزاً لصلاحهن كالسيدة مريم أم المسيح وغيرها، والمنقبة اقتدت بنساء الرسول عليه الصلاة والسلام.

فقالت: ولماذا يتزوج الرجل من أربعة نساء؟

قلت لها: وفي فرنسا، كم امرأة يتزوج الرجل؟

قالت: واحدة فقط.

قلت لها: ويتخذ كم من العشيقات.

قالت المجموعة بصوت واحد: كثيراً جداً، وضحكن.

قلت لهن: هذا الوضع الذي تضحكون منه هو الوضع الذي كان سائداً قبل الإسلام، وجاء الإسلام ليصححه، ويحفظ للمرأة حقوقها وكرامتها ويحولها من عشيقة إلى زوجة لها كرامة وحقوق.

قالت: ومن تقبل أن تكون زوجة ثانية؟ كيف تقبل المرأة الفرنسية أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة؟

قلت لها: من تقبل أن تكون عشيقة بلا حقوق، الأولى أن تقبل أن تكون زوجة بحقوق لها ولأولادها.

فالعشيقة تعيش حياة مذلة بلا حقوق لها ولأطفالها، ومن العجيب أن تتقبلون فكرة العلاقات بدون زواج ومسؤولية، وأطفال بلا آباء أو المثلية، إلخ، في حين أنكم ترفضون زواج قانوني بين رجل وأكثر من امرأة.

قالت: ولماذا لا يحق للمرأة الزواج من أربعة رجال في وقت واحد كما يحق للرجل الزواج من أربع نساء؟

قلت لها: المرأة بإمكانها الزواج من رجل أعزب أو غير أعزب طالما أن لديه أقل من أربع زوجات، وهذا حق لها، في حين أن هذا الحق لا يتوفر للرجل، حيث أنه لا يحق له الزواج إلا من غير متزوجة فقط، وذلك لحفظ حقوق الأولاد من نسب وميراث.

قالت: ممكن أن يُحفظ حق الأولاد عن طريق فحص الحمض النووي.

قلت لها: وهل إذا خرجتِ إلى الدنيا، ووجدت أمك تُعرفك على أبيك عن طريق هذا الفحص، ما كانت سوف تكون حالتك النفسية؟ ثم كيف تستطيع أن تقوم المرأة بدور زوجة لأربعة رجال بهذا المزاج المُتقلب الذي لديها؟ إضافة للأمراض التي تسببها علاقتها مع أكثر من رجل في الوقت نفسه.

قالت أخرى: ولماذا الرجال قوامون على النساء في الإسلام؟

قلت لها: هذا تشريف للمرأة وتكليف للرجل، أن يقوم على رعاية شؤونها وقضاء حوائجها، المرأة المسلمة تلعب دور الملكة التي تتمناه كل امرأة على وجه الأرض.

قالت: لكنها في الواقع ليست ملكة.

قلت لها: الذكية هي التي تختار ما يجب أن تكون، إما مَلكة مكرمة، أو كادحة على قارعة الطريق.

قالت: انظري كيف استغل الرجال هذه القوامة.

قلت لها: هذا لا يعيب بنظام القوامة بل يعيب بمن أساء استخدامها.

قالت: انظري إلى الرجال في بعض الدول العربية، كيف يقمع زوجته في البيت، ويذهب إلى النوادي الليلية ليشرب الخمر ويلهو مع النساء.

قلت لها: كم عددهم؟ ألف، ألفين، ثلاثة؟ أتدرين ما تعداد المسلمين في أي دولة من هذه الدول؟

قالت: ولماذا أباح لهم القرآن ضرب المرأة؟

قلت لها: ومن قال هذا؟ محمد عليه الصلاة والسلام لم يضرب امرأة قط في حياته، أما الآية القرآنية التي تكلمت عن الضرب، فيقصد بها الضرب غير المبرح في حالة النشوز، كأن تهزي كتف ابنك عندما توقظيه من النوم العميق كي لا يفوته وقت الاختبار.

قلت لها مستطردة: تخيلي أنك وجدت ابنتك تقف على طرف النافذة لترمي بنفسها، سوف تتحرك يديك إليها لا إرادياً وتمسكي بها وتدفعيها للخلف لكيلا تؤذي نفسها، هذا المقصود هنا من ضرب المرأة، أن يحاول منعها من تدمير بيتها وتدمير مستقبل أولادها، وطبعاً هذا بعد عدة مراحل كما ذكرت الآية.

وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [30].

قالت: ولماذا لا تضرب المرأة زوجها إن أساء التصرف؟

قلت لها: إن استطاعت أن تأخذ حقها بيدها فلتفعل ولكن ذلك قد يتسبب في مضرة أخرى، لكن نظراً لضعف المرأة على العموم أعطاها الإسلام الحق في اللجوء إلى القضاء.

والأصل في العلاقة الزوجية في الإسلام أن تُبنى على المودة والسكينة والرحمة.

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ “[31].

قالت: أنا بنتي من ممارسي المثلية الجنسية ولا أستطيع أن أتدخل في قرارها.

قلت لها: ولو ألقت بنفسها في النار، هل كنت ستتدخلين أم لا؟

قالت: هذا الفرق بيني وبينك، فأنت تجدين هذا التصرف خطير وأنا أجده طبيعي، ألم تسمعي بالنسبية؟ فكما يوجد نظريّات متنوعّة لأصل الإنسان، ونظريات لمفهوم الإله، كذلك فإن الأخلاق نسبية ولا يوجد قيم أخلاقية موضوعية. فنحن في فرنسا، لا نجد إشكال في إقامة بناتنا علاقات مع زملائهن في المدرسة خارج نطاق الزواج مثلاً، وأنا عن نفسي أُعطي ابنتي تكاليف إقامتها مع صديقها في فندق مجاور لتفادي لقائهم في غابة مجاورة مثلاً وتعرضهم لقطاع الطرق.

قلت لها: وجود نظريّات وقناعات متنوعّة عند البشر، لا يعني بعدم وجود نظريّة واحدة حقيقية صحيحة، فمهما تعددت مفاهيمكن ونظرياتكن أنتن كمجموعة عن وسيلة المواصلات التي أستخدمها أنا للوصول إلى هنا يومياً، لا ينفي حقيقة أنني أملك سيارة سوداء اللون، ولو اعتقد العالم بأسره أن سيارتي حمراء، فهذا الاعتقاد لا يجعلها حمراء، فهناك حقيقة واحدة وهي أنها سيارة سوداء.

فمن غير المنطقي أن تُقرِّر قناعة بشر محكوم بهواه إن كانت عمليّة الاغتصاب شرًّا على سبيل المثال، بل من الواضح أنّ في الاغتصاب ذاته هنالك تعدّي على حقوق الإنسان، انتهاك لقيمته وحريته، وهذا ما يدل على أنّ الاغتصاب شر، وكذلك المثلية الجنسية والتي هي خرق للسنن الكونية، وعلاقات خارج نطاق الزواج. فلا يصح إلا الصحيح ولو اجتمع العالم بأسره على بطلانه، والخطأ واضح كوضوح الشمس ولو أقر بصحته جميع البشر.

وتعدد نظريات أصل الوجود، لا ينفي وجود حقيقة واحدة وهي الإله الخالق الواحد الأحد الذي ليس له صورة ولا ولد، فلو أراد العالم بأسره تبني أن الخالق يتجسد في صورة حيوان مثلاً أو إنسان، فهذا لا يجعله كذلك، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

وبالتالي فإن ممارسة ابنتك للمثلية الجنسية هو تصرف خاطئ ومشين، حتى لو اجتمع العالم على صحته. وأن الحقيقة الوحيدة والصحيحة أن الأخلاق غير نسبية ولا تتغير مع الزمان أو المكان.

قالت إحداهن: لكن يجب أن نحترم آراء الآخرين ونظرياتهم.

قلت لها: نحترم إرادة الاختيار التي وهبها الله للجميع، ولكن لا نحترم التصرف المُشين نفسه.

قالت أخرى: ولماذا حرم الإسلام التبني؟

قلت لها: وهل سمعت عن قصة الفتاة الأسترالية التي عرفت بالصدفة بعد ثلاثين عاماً أنها ابنة بالتبني، وانتحرت. لو كانوا أخبروها منذ الصغر لرحموها، وأعطوها الفرصة لأن تبحث عن أهلها.

الإسلام يحث على كفالة اليتيم، ويحث كافل اليتيم على أن يعامل اليتيم كمعاملته لأبنائه، لكن يُبقي الحق لليتيم لكي يتعرف على أسرته الحقيقية، لحفظ حقه في ميراث أبيه، ولتجنب اختلاط الأنساب.

قالت مسلمة أخرى: ولماذا الوحشية في عقوبة الزنا، انظري إلى الرقي الفرنسي.

قلت لها: وبسبب الرقي الفرنسي، كم من الملايين لا يعرفون من أين جاءوا؟ هل هذا رقي أم تخلف؟

قالت: ولماذا ترث المرأة نصف ما يرث الرجل؟

قلت لها: قالت لي صديقة مسلمة يوماً، إنها كانت تعاني من عدم فهم هذه النقطة حتى وفاة والد زوجها، وورث زوجها ضعف المبلغ الذي ورثته أخته، وقام هو بشراء الأساسيات التي كان يفتقدها من منزل خاص لأسرته، وسيارة، وقامت أخته بشراء مجوهرات بالمبلغ الذي حصلت عليه وادخرت باقي المبلغ في البنك، حيث أن زوجها هو من عليه توفير المسكن وغيرها من الأساسيات، ففهمت صديقتي في هذه اللحظة الحكمة من وراء هذا الحكم، وحمدت الله.

قلت للسائلة مستطردة: وقبل الإسلام كانت المرأة محرومة من الميراث، وحين جاء الإسلام شملها في الميراث بل وإنها تحصل على حصص أكثر من الذكور في بعض الحالات، في حين أن الذكور يحصلون على نسب أعلى حسب درجة القرابة والنسب.

قالت: لكن في كثير من المجتمعات تعمل المرأة وتكد لرعاية أسرتها، فحكم الميراث هنا فاسد.

قلت لها: هل الخلل في هاتفك والذي تسببتِ أنت به بعدم اتباعكِ لتعليمات التشغيل، دليل على فساد تعليمات التشغيل؟

وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ:

وكانت قد استطردت الفرنسية بأسئلتها قائلة: إن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة، بجعل شهادتها النصف من شهادة الرجل.

قلت لها: إن شهادة الرجل لم تقبل قط وحده حتى في أتفه القضايا المالية، ولم يعترض الرجل المسلم ويعتبر ذلك مساساً لكرامته، غير أن المرأة قد امتازت على الرجل في سماع شهادتها وحدها دون الرجل، فيما هو أخطر من الشهادة على الأمور الصغيرة، وذلك في الشهادة على الولادة وما يلحقها من نسب وإرث.

“وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى” [32].

أما “الإشهاد” في دَيْن خاص، التي تتكلم عنه الآية هنا، فهو نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن ذي المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعًا موجهًا إلى القاضي الحاكم في المنازعات، بناءً على عدم اشتغال النساء بأسواق المبايعات في ذلك الوقت، وهذا يختلف عن “الشهادة”.

فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها، ومن ثم قبولها أو رفضها؛ وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد، ذكرًا كان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.

وعلى أية حال يجب أن نعلم أن الشهادة تكليف ومسئولية، وعندما يخفف الله عن المرأة في الشهادة فهذا إكرام لها، وليس العكس.

قالت: ولماذا يحث الإسلام على الرق؟

قلت لها: لا توجد في القرآن الكريم ولا آية واحدة تحث على الرق، وقد كانت العبودية قبل الإسلام نظامًا قائماً معمولا به بين الشعوب، وكانت بلا قيود، وكانت مكافحة الإسلام للعبودية تهدف إلى تغيير نظرة وعقلية المجتمع بأسره، بحيث يصبح العبيد بعد تحريرهم كأعضاء كاملين فاعلين في المجتمع، دون الحاجة إلى اللجوء للمظاهرات أو الإضرابات أو العصيان المدني أو حتى الثورات العرقية. لقد كان هدف الإسلام التخلص من هذا النظام الممقوت بأسرع ما يمكن وبوسائل سلمية.

قالت: وكيف ذلك؟

قلت لها: الإسلام لم يسمح للحاكم بمعاملة رعيته معاملة استرقاق، كما منح الإسلام كل من الحاكم والمحكوم حقوق وواجبات ضمن حدود الحرية والعدالة المكفولة للجميع، فيتم تحرير العبيد تدريجيا من خلال الكفارات وفتح باب الصدقات والمسارعة في الخير من خلال عتق الرقاب للتقرب لرب العالمين.

والمرأة التي تلد لسيدها لم تكن تُباع وكانت تحصل على حريتها تلقائيا عند موت سيدها، وبخلاف جميع التقاليد السابقة فإن الإسلام شرّع أن يلحق ابن المرأة العبدة بأبيه فيكون حراً. كما شرّع أن يشتري العبد نفسه من سيده من خلال دفع مبلغ من المال أو العمل لفترة محددة.

“……. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا.. “[33].

وفي المعارك التي أُجبر المسلمون على خوضها، دفاعا عن الدين، النفس والمال، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بمعاملة الأسرى بالحسنى. وكان بإمكان الأسرى الحصول على حريتهم من خلال دفع مبلغ من المال أو تعليم الأطفال على القراءة والكتابة. كما أن نظام الأسر في الإسلام لم يحرم طفل من أمه أو أخ من أخيه.

وأمر الإسلام المسلمين بإظهار الرحمة لهؤلاء المقاتلين الذين يستسلمون.

“وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ”[34].

كما نص الإسلام على إمكانية مساعدة العبيد على تحرير أنفسهم من خلال الدفع من أموال المسلمين أو خزينة الدولة، حيث قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فدية لتحرير العبيد من أموال الخزينة العامة.

قالت: أليست شعائر الحج وثنية من تعظيم للكعبة وغيرها من الشعائر؟

قلت لها: هل يُفهم من احترام المواطنين في أي بلد من البلدان لأي نُصب تذكاري بنشر صوره ووضع علامته في الأوراق الرسمية ونحو ذلك بأن هذا عبادة للنُّصب التذكاري؟ فرق كبير بين الديانات الوثنية، وبين تعظيم أماكن ومشاعر معينة، سواء دينية أم وطنية وقومية.

قالت: ولماذا يُقبِّل المسلمون الحجر الأسود؟

قلت لها: وهل تعيبي على شخص تقبيل مظروف فيه رسالة من والده مثلاً.

قالت: ورمي الجمرات؟

أما رمي الجمرات فهو لإظهار مخالفتنا للشيطان، وعدم اتباعه، وهو اقتداء بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما ظهر له الشيطان ليمنعه من تنفيذ أمر ربه وذبح ابنه فقام برميه بالحجارة[35]. وكذلك السعي بين الصفا والمروة فهو اقتداء بعمل السيدة هاجر عندما سعت للبحث عن ماء لابنها إسماعيل. فكل مناسك الحج هي لإقامة ذكر الله وللدلالة على الطاعة والانقياد لرب العالمين ولا يُقصد منها عبادة حجارة أو مكان أو أشخاص.

في حين أن الإسلام يدعو إلى إله واحد هو رب السماوات والأرض وما بينهما، وخالق كل شيء ومليكه.

“إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ” [36].

قالت: أنا بالنسبة لي هذه الشعائر مخيفة، فكم من مسلم مات بسبب التزاحم الشديد.

قلت لها: قد يموت في هذا الحدث السنوي العشرات بسبب التزاحم، لكن من يموت بسبب شرب الكحول بالملايين سنوياً، وضحايا تجمعات ملاعب كرة القدم والكرنفالات في أمريكا الجنوبية وأكثر من ذلك، وعلى أية حال فالموت حق، ولقاء الله حق، والموت على طاعة خير من الموت على معصية.

مالكوم إكس يقول:

” ولأول مرة بعد تسعة وعشرين عامًا قضيتها على هذه الأرض وقفت أمام خالق كل شيء وشعرت أني إنسان كامل، ولم أشهد في حياتي أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية” [37].

أيفلين كوبولد تقول:

“والإسلام كلمة تعني التسليم لله، وهي تعني السلامَ أيضًا، ويُعرف المسلِم بأنَّه الرجل الذي يسير في حياته وَفقًا لإرادة خالقِه، وأوامر ربِّه، والذي يعيش بسلام مع الله وعباده، ولعلَّ أجمل ما في الإسلام هو الوحدانية الإلهية، وخلوه من التقاليد والبِدع، والْتصاقه الكامل بما في الحياة من أمور عملية. والإيمانُ في القرآن إنَّما يقوم على العمل الصالِح، وليس هناك في الإسلام إيمانٌ دون ما عمل صالح أبدًا، وهذا ما يجده المرء مردَّدًا في القرآن أكثر من مرَّة في مختلف سُوره، وشتَّى آياته. ولقد فَرَض الإسلامُ الحجَّ على المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فالمريض معذور، والفقير كذلك، والمستعبَد أيضًا، ويُشترط في الحج أن تكون الطريقُ إليه خالية من المخاطر، لا ينتظم فيها مرضٌ ولا ظُلامة، أمَّا الحج نفسُه فلا يوجد من يُنكر كبيرَ شأنه، وما يغمر النفس فيه من انطلاق إلى المُثل الرُّوحيَّة العُليا، وانفلات من أعراض الدنيا، والتوجُّه إلى الله بقلْب سليم مع هذه الألوف المؤلَّفة من البشَر على اختلاف أمصارهم، وتباعُد لُغاتهم، وتَعدُّد مشاربهم وأذواقهم، يأتون مِن أقصى الأرْض، ويتحمَّلون في طريقهم من المشقَّات، واضطراب السُّبُل، وبُعْد المسافات ما ليس بالإمكان تقديرُه ولا تصوُّرُه، وكل ذلك ليقفوا في صعيد واحد أمامَ الله – جلَّ شأنُه – يتقدَّمون إليه بقلوب صافية، وأفئدِة متشوقة، ودموع جارية” [38].


[1] (سبأ:6).

[2] (طه:14).

[3] (تكوين16: 3).

[4] (تكوين16: 11).

[5] (تكوين 17: 20).

[6] (الأعراف:54). 

[7] (فصلت: 12).

[8] مدير مركز الدراسات الروحية بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة.

[9] ما يقال عن الإسلام. عباس محمود العقاد.

[10] (الأنبياء:30).

[11] (الأنبياء: 20 ).

[12] (التحريم :6).

[13] (الأنعام :121).

[14] (يوسف:18).

[15] (الكهف: 104).

[16] (فاطر: 8).

[17](النساء:76).

[18] (النحل: 98-99).

[19] (الأعراف: 21).

[20]  (الأعراف: 201).

[21] (إبراهيم :22).

[22] (المطففون:26).

[23] (فاطر:43).

[24] (الروم: 19).

[25] (المؤمنون: 115-116).

[26] (الجاثية: 21-22).

[27] (الحج: 5).

[28] (يس: 77-79).

[29] (الروم:50).

[30] (النساء:34).

[31] (الروم :21).

[32] (البقرة: 282)

[33] (النور: 33)

[34] (التوبة: 6)

[35] الإمام الحاكم في المستدرك والإمام ابن خزيمة في صحيحه عن سيدنا ابن عباس رضي الله.

[36] (الأنعام:80)

[37] داعية إسلامي ومدافع عن حقوق الإنسان أمريكي من أصل إفريقي (إفريقي أمريكي)، صحَّح مسيرة الحركة الإسلامية في أمريكا بعد أن انحرفت بقوَّة عن العقيدة الإسلامية، ودعا للعقيدة الصحيحة.

[38] الليدي افلين زينب كوبولد ، كتبت كتاب” الحج إلى مكة” (لندن، 1934) ، مستشرقة أسكتلندية ولدت في ادنبره في أسرة ارستقراطية، اعتنقت الإسلام وأدت فريضة الحج سنة  1933.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page