Articles

السلام الداخلي: الإسلام أم البوذية؟

فاجأني ألماني مسن بإعجابه بالبوذية وكرهه الشديد للإسلام، متذرعًا بأن البوذية دين يدعو إلى تحقيق السلام الداخلي والإسلام يدعو إلى العنف.

قلت له:

بداية فإنه من أهم تعليمات جواتاما بودا أنه لا سبب يأتي بدون مسبب.

وتوافق هذا تمامًا مع ما أثبته العلم الحديث أن الكون يتوسع إذًا له نقطة بداية ونهاية، ووراء نقطة البداية سبب عظيم كان وراء الانفجار الكبير.

وبالتالي هذا ما تكلم عنه الإسلام بوضوح، وهو حقيقة وجود خالق للكون، والذي خلق البشر لهدف معين.

خالق بوذا ورام وكريشنا، خالق الرهبان والقديسين والقسيسين، خالق أنبياء الله محمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام.

وبدأت نقاشًا بعدها مع السائل من خلال عمل مقارنة بين تعاليم البوذية وتعاليم اﻹسلام كما يلي:

تحدث جواتاما بوذا عن أربعة حقائق فقط:

  • حقيقة المعاناة ويسمونها Dukkha

يكشف القرآن الكريم عن سر هذه الحقيقة:

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الملك :2)

  • حقيقة أصل المعاناة ومنبتها Samudāya

يخبرنا القرآن عن سبب وأصل المعاناة وهو التكليف والاختبار:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة:30)

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الزمر:62)

  • حقيقة نهاية المعاناة Nirodha

يخبرنا القرآن عن مكافئة من اجتاز الاختبار:

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ( الزمر :73)

  • حقيقة الطريق لنهاية المعاناة Magga

يخبرنا القرآن عن طريقة اجتياز الاختبار.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56)

تأتي المعاناة كما قال بوذا في أشكال عدة، منها الشيخوخة، المرض. والموت. وهي أساس الاختبار الذي تكلم عنه القرآن الكريم.

وتذهب المعاناة أبعد من ذلك لأن الحياة ليست مثالية، ولا ترقى دائمًا إلى تطلعاتنا. فالإنسان معرض إلى الرغبات التي يصعب تحقيقها، ولكن حتى لو حققناها فهي لا تدوم، فاللذة لا تدوم، وإن دامت تصبح مملة.


من أهم تعليمات  جواتاما بودا  هي العمل الدؤوب للتخلص من الولادات المتكررة (تناسخ الأرواح) والحصول على السلام الداخلي.

الولادات المتكررة بالنسبة لبودا عذاب. ولن يحصل على الخلاص إلا إذا اتحد مع الوجود حسب تعليماته. 

للبوذية ثمانية أركان هي:

  • الإيمان بالحق: وهو الإيمان بأن الحقيقة هي الهادي للإنسان.

يخبرنا القرآن أن الخالق هو الحق:

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( الحج:62)

الهداية لا تأتي إلا من الحق الذي أوجد الوجود.

  • القرار الحق: بأن يكون المرء هادئًا دائمًا لا يفعل أذًى بأي مخلوق، إنسان أو حيوان أو طائر.

قال رسول الله:

“دخلت امرأة النار في قطة، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”.

قال الله تعالى:

مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (المائدة:32)

  • الكلام الحق: بالبعد عن الكذب والنميمة وعدم استخدام اللفظ المشين.

قال تعالى:

…وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا…(البقرة:83)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الحجرات:12)

قال النَّبي صلى الله عليه وسلم:

((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان

  • السلوك الحق: بعدم السرقة أو القتل أوفعل شيء يأسف له المرء فيما بعد.

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ( الإسراء:33 )

  • العمل الحق: بالبعد عن العمل السيء مثل التزييف وتناول السلع المسروقة وعدم أخذ المرء ما ليس له.

قوله تعالى:

 إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (النساء:58)

قال ـ عز وجل ـ في سورة الشعراء:

«أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ(181: الشعراء)

  • الجهد الحق: بالسعي دائمًا إلى كل ما هو خير والابتعاد عما هو شر.

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

  • التأمل الحق: بالهدوء دائمًا وعدم الاستسلام للفرح أو الحزن Meditation

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23 الحديد )

  • التركيز الحق، وهذا لا يكون إلا باتباع القواعد السابقة وبلوغ المرء مرحلة السلام الكامل “نيرفانا”وهي اتحاد المخلوق بمصدر الوجود.

ولكن هل مفهوم الاتحاد مع الوجود منطقي أصلاً، وهل يوفر السلام الداخلي ويخلص من العذاب؟ 

من أوجد الوجود أصلا؟؟ 

دون الحصول على إجابة لهذا السؤال فإننا لن نحصل على أي نوع من أنواع السلام الداخلي.  فالإنسان في هذه الحالة يصبح كالذي يدور في دائرة مغلقة. 

  • لا سلام داخلي إلا بمعرفة مصدر الوجود، والتواصل معه مباشرة (ليس من خلال قسيس ولا قديس). 
  • لا سلام داخلي إلا بمعرفة وجهتنا القادمة بعد الموت، ولن نحصل على الإجابة عما بعد الموت إلا ممن وهب الحياة. 
  • لا سلام داخلي إلا بمعرفة الهدف من وجودنا. 

رحلة الحياة هي كرحلة القطار،  راكب القطار لن يستمتع برحلته إلا بمعرفة وجهته، و النقطة التي انطلق منها القطار. 

معرفة نقطة البداية والنهاية هو هدف عظيم وسامي يجب أن يسعى كل إنسان لتحقيقه. 

نجد الصيني الملحد يؤمن بدلالات وهمية لبعض الأرقام وتنبؤات مستقبلية وأمور غيبية قد يتعرض لها. 

إن الهدف الأساسي للحياة هو ليس التمتع بإحساس عابر بالسعادة؛ بل هو تحقيق سلام داخلي عميق من خلال معرفة الله وعبادته.

تحقيق الهدف الإلهي سيُؤدي إلى النعيم الأبدي والسعادة الحقيقية. لذا، إذا كان هذا هو هدفنا الأساسي، فإن مواجهة أي مشاكل أو متاعب سوف تهون في سبيل بلوغ هذه الغاية.

فالخالق واحد أحد ليس له صورة معروفة لدى البشر وليس له ولد، لا يأتي إلى الأرض في صورة إنسان أو حيوان أو صنم أو حجر، ويجب اللجوء إليه مباشرة بالطلب وليس من خلال قسيس ولا قديس ولا حتى من خلال نبي الله محمد.

سأل السائل:

كيف يحصل المسلم على الخلاص ويحقق السلام الداخلي؟

قلت له:

يحصل المسلم على السلام الداخلي بمعرفة مصدر وجوده وغاية وجوده ومصيره بعد الموت، و بتواصله المباشر بمصدر وجوده وبالعمل الصالح والأخذ بالأسباب يصل على الخلاص والأمان بعد الموت. 

ولن يتحقق هذا المعنى الجميل إلا إذا كان الخالق مستقل عن مخلوقاته وليس متحدًا معها، وبوجود يوم للحساب والعقاب والجزاء.

يقول المستشرق المعروف فولتير:

عقيدة اليوم الآخر وحدها كفيلة لإيجاد إطار أخلاقي في المجتمع، ولو أن هذه العقيدة زالت فلن تجد دافع للعمل الطيب، وسيترتب على ذلك انهيار النظام الاجتماعي.
Windel and, history of philosophy. Page 496

يطلب الله من رسوله محمد تبليغ البشر وسيلة الخلاص :

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110الكهف)

وأخبرنا عن وجهة الوصول:

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي(24الفجر)

يقول أحد العلماء المشهورين “آرثر ليلي”: إن الكلام التالي كان منحوت على حجر: (ما كان يعتقد به تلاميذ بوذا عن الإله، الروح ومستقبل الإنسان).

“نعترف ونؤمن بالله، الذي هو كائن يستحق من أجل هذا (إيمان) “.

قال المسن الألماني:

لكن بوذا إله.

قلت له:

وهل يقول إله عن نفسه، أنا لست أول بوذا ولن أكون آخر بوذا؟


لم يطالب “غواتاما بوذا” أياً من أتباعه لأن يعبدوه هو كإله أو عبادة أي شيء أو أي شخص آخر، فالطريق الديني الذي انتهجه وسار عليه كان نفس الطريق الذي سار عليه بوذا آخر وتنبأ به من قبل. كما أن “غواتاما” استخدم كلمة “بوذا” بسياق كلمة “نبي” وعنى بذلك الشخص الذي يتم تنويره بالوحي الإلهي.


بوذا قال: “يجب على الجميع أن يُؤمنوا بـ (مايتريا) النبي القادم”.


تحمل كلمة “مايتريا” أو “ميتا” في اللغة البالية وجميع الكلمات المقابلة المستخدمة في البورمية والصينية والتبتية واليابانية نفس المعنى؛ وهي نفس كلمة “رحمت” باللغة العربية، والتي تعني “الرحمة”. (حيث أشار الله سبحانه في القرآنَ الكريم إلى النبي محمد بأنه رحمة للعالمين).


وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. (الأنبياء: 107)


قال: أوَ تُجزمون أن بوذا كان نبيًّا مُرسل، وتنبأ بقُدوم نبيكم؟

قلت له:

نحن لا نُجزم أبداً، ولم يُذكر اسم بوذا أبداً في القرآن الكريم، لكن نرى أن هناك تشابهات بين الديانات بصورة ملفتة للنظر، مما لا يُستبعد ان يكون مصدرها واحد وهو من الخالق، وقد اختلفت بسبب تحريفات البشر. وقد أكد القرآن في أكثر من مُناسبة أن الله أرسل إلى جميع الأمم رسلاً وأنبياء للتذكير بعبادة خالق واحد أحد، وذكر أسماء البعض(المسيح، موسى، إلخ)، ولم يذكر آخرون.


قال: وهل من دليل على نبوة محمد في كُتب الهندوسية أيضاً.

قلت له: نعم.

“إنه نيراشانزا أو الشخص الممدوح (محمد) إنه كاراما: أمير السلام أو المغترب، وهو آمن، حتى بين مجموعة من ستون ألف وتسعون من الأعداء. إنه يركب الجمال، وتمس مركبته السماء”.

” نيراشانزا” رمجل الحمد” يشير إلى النبي محمد. المعنى الفعلي للكلمة العربية “محمد” هو: “الرجل المحمود”، وليس من المعروف بالضبط عدد أعداء النبي محمد في ذلك الوقت، ولكن ثبت أن هناك الآلاف.


عندما هاجر النبي محمد من مكة (المدينة التي وُلد فيها، لكنه اضطر إلى المغادرة بسبب مؤامرة اغتياله) إلى المدينة المنورة، ذهب على الجمل.


قلت له مستطردة: ويوجد غيرها الكثير.


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” .(الأعراف: 158)


مواضيع ذات صلة

كتاب لماذا الدين؟ رحلة من الذاكرة

فاتن صبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *